النحو، إذ بدأت تتشكل ملامح التنافس بين من علماء كلٍّ من هذين البلدين وإثبات التقدم العلمي لكلٍّ [1] .
وقد ظهر أثر هذا الأمر جليا جدا في كتب معاني القرآن، إذ كثير من مباحث هذه الكتب يعود إلى الإعراب، سواء في هذا ما صنف في تلك الفترة أو ما تلتها من الفترات في طبقات التلاميذ وتلاميذ التلاميذ، وذلك أن من صنّف فيها هم أساطين النحو في زمانهم.
فالأخفش من كبار نحويي البصرة وعلمائها، والكسائي [2] والفراء [3] من علماء الكوفة في النحو واللغة كذلك، ولذا كانت كتب معاني القرآن
(1) للاستزادة في تاريخ نشوء المذهبين وملابساته ينظر: نشأة النحو (ص: 40 - 46) ، من تاريخ النحو العربي (ص: 38 - 44)
(2) هو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي. مولى بني أسد. إمام أهل الكوفة في النحو وفي القراءة.
أخذ عن أبي جعفر الرؤاسي، ومعاذ الهراء بالكوفة، ثم قدم البصرة فأخذ عن أبى عمرو ابن العلاء وعن يونس بن حبيب وعيسى بن عمر علما كثيرا صحيحا، ثم انتقل إلى بغداد وعلّم بها الناس وكان مؤدب الرشيد ثم جليسه ومؤدب ابنيه الأمين والمأمون.
وكان أحد أئمة القراء السبعة؛ وقد قرأ على حمزة الزيات وأقرأ بقراءته ببغداد، ثم اختار لنفسه قراءة فأقرأ بها الناس.
سمع من سليمان بن أرقم وأبي بكر بن عياش وسفيان بن عيينة، وأخذ عنه أبو عبيدة القاسم بن سلّام وجماعة، وهو أستاذ الفراء وعلى ابن المبارك الأحمر.
قال الشافعي يقول: من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي.
وقال الفراء: مدحني رجل من النحويين فقال لي: ما اختلافك إلى الكسائي وأنت مثله في النحو؟ فأعجبتني نفسي فأتيته فناظرته مناظرة الأكفاء، فكأني كنت طائرا يغرف من البحر بمنقاره.
قال أبو بكر الأنباري: اجتمعت للكسائي أمور لم تجتمع لغيره؛ فكان واحد الناس في القرآن يكثرون الأخذ عنه؛ حتى لا يضبط الأخذ عليهم. فيجمعهم ويجلس على كرسي، ويتلو القرآن من أوّله إلى آخره وهم يسمعون؛ حتى كان بعضهم ينقط المصاحف على قراءته، وآخرون يتبعون مقاطعه ومبادئه فيرسمونها في ألواحهم وكتبهم. وكان من أعلم الناس بالنحو وواحدهم في الغريب.
وسمى الكسائي لأنه كان يحضر مجلس معاذ الهرّاء، والناس عليهم الحلل، وعليه كساء روذباري. و قيل للكسائي: لم سميت الكسائي؟ قال: لأني أحرمت في كساء.
مات سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقيل اثنتين وثمانين وقيل تسع وثمانين، ودفن معه محمد بن الحسن وقال الرشيد: اليوم دفنت الفقه واللغة.
ورُئي الكسائي في النوم، فقيل له: ما فعل الله عز وجل بك؟ قال: غفر لي بالقرآن.
من تصانيفه: معاني القرآن، مختصر في النحو، القراءات، العدد، النوادر الكبير والأوسط. ينظر: نزهة الألباء (ص: 58 - 63) معجم الأدباء (4: 1737 - 1752) إنباه الرواة (2: 256 - 274)
(3) هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله الأسلمي الديلمي الكوفي، مولى بني أسد المعروف بالفراء.
أخذ عن الكسائي، وأخذ أيضا عن يونس بن حبيب البصري فاستكثر منه، والبصريون ينكرون ذلك.
كان إمامًا ثقة. وكان يقال: الفراء أمير المؤمنين في النحو. وكان هو وعلي بن المبارك الأحمر أشهر أصحاب الكسائي، وكانا أعلم الكوفيين بالنحو من بعده. قال سعدون: قلت للكسائي: الفراء أعلم أم الأحمر؟ فقال: الأحمر أكثر حفظًا، والفراء أحسن عقلًا؛ وأبعد فكرًا، وأعلم بما يخرج من رأسه.
قال ثعلب: لولا الفراء لما كانت اللغة؛ لأنه خلصها وضبطها، ولولا الفراء لسقطت العربية؛ لأنها كانت تنازع ويدعيها كل من أراد، ويتكلم الناس على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب.
وقال أبو بكر بن الأنباري: لو لم يكن لأهل بغداد والكوفة من علماء العربية إلاّ الكسائي والفراء لكان لهم بهما الافتخار على جميع الناس؛ إذ انتهت العلوم إليهما.
وقال سلمة: أملى الفراء كتبه كلها حفظًا، لم يأخذ بيده نسخة إلاّ في كتابين. ومقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة، وكان مقدار الكتابين خمسين ورقة.
وكان فقيها عالما بالخلاف وبأيام العرب وأخبارها وأشعارها عارفا بالطب والنجوم متكلما يميل إلى الاعتزال، وكان يتفلسف في تصانيفه ويستعمل فيها ألفاظ الفلاسفة.
أما سبب إملاء الفرّاء كتاب (معانى القرآن) فقد ذكره ثعلب إذ قال: إن عمر بن بسكير وكان من أصحابه، كان مع الحسن بن سهل فكتب إليه: إن الأمير الحسن لا يزال يسألني عن أشياء من القرآن لا يحضرني عنها جواب، فإن رأيت أن تجمع لى أصولا، وتجعل في ذلك كتابا يُرجع إليه فعلت. فلما قرأ الكتاب، قال لأصحابه: اجتمعوا حتى أملّ عليكم كتابا في القرآن، وجعل لهم يوما، فلمّا حضروا خرج إليهم- وكان في المسجد رجل يؤذّن فيه، وكان من القرّاء- فقال له: اقرأ، فقرأ فاتحة الكتاب، ففسّرها، ثم مرّ في القرآن كلّه على ذلك؛ يقرأ الرجل والفرّاء يفّسر. وكتابه هذا نحو ألف ورقة، وهو كتاب لم يعمل مثله، ولا يمكن أحد أن يزيد عليه. وقال: كتب الفرّاء لا يوازى بها كتاب.
توفي سنة سبع ومائتين في طريق مكة، وقد بلغ ثلاثًا وستين سنة. ينظر: نزهة الألباء (1: 81 - 84) معجم الأدباء (6: 2812 - 2815) إنباء الرواة (4: 7 - 23)