كما أننا قد رأينا كيف وجد في ذلك الزمان من أنصف ولم يتأثر بدائرة التعصب، ونظر إلى كل من الإمامين بعين العدل والرضا.
ولما مات المبرد وقف رَجُل عَلَى ثعلب، فَقَالَ:
ذهب المبرد وانقضت أيامه ... وليذهبن مع المبرد ثعلب
بيت من الأداب أصبح نصفه ... خربا وسائر نصفه فسيخرب
فابكوا لما سلب الزمان ووطّنوا ... للدهر أنفسكم على ما يسلب
ذهب المبرد حيث لا ترجونه ... أبدا ومن ترجونه فمغيّب
فليلحقنّ بمن مضى متخلّف ... من بعده وليذهبنّ ونذهب
فتزوّدوا من ثعلب فبكأس ما ... شرب المبرد عن قليل يشرب
واستحلبوا ألفاظه فكأنكم ... بسريره وعليه جمع مجلب
وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه ... إن كانت الأنفاس مما يكتب
وهكذا الإنصاف.
ومما يحسن أن يُختتم به هذه الأبيات التي أنشدها أَبُو بَكْر بْن أَبِي الأزهر لنفسه:
شكا ما بِهِ من هو مُنصَب ... إِلَى إلفه الأوصبِ الأنصب
فباتا يخدّان حَر الخدود ... بفِيض دموعهما السكّبِ ... ويعتنقان وقلباهما
ويعتنقان وقلباهما ... على مثل جمر الغضا الملهِب
إِلَى أن بدا فِي الدجى ساطع ... من الصبح يسطو عَلَى الغيهب
فَيَا حسنها ليلةٍ لو تمدّ ... (م) ... طوَال الدهور فلم تذهب
وهل ترجعنّ بلذاتها ... عَلَى حال أمنٍ من الرُّقَّب
أيا طَالِب العلم لا تجهلنّ ... وعذ بالمبرد أَبُو ثعلب