إذن المرتبة الكاملة هي المرتبة الثالثة لما يصبح الأخ العضو عاملا. أما المرتبة الرابعة فهي مرتبة انتقائية حتى وإن كانت من حق جميع الأعضاء العاملين لأن القصد منها أساسا اختيار أفضل الأعضاء للنواة العسكرية. ومن بين هؤلاء ظهرت التشكيلات العسكرية للجماعة منذ زمن «البنا» وحتى الآن [1] . أما البيعة فتتم في المرتبة الثالثة. وقد حددت رسالة التعاليم أركانها بعشرة هي: «الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخوة والثقة» [2] . واقتصرت الرسالة على الإفاضة بتفسير كل ركن من هذه الأركان.
هكذا فإن البيعة تنطوي على جهاد كبير للوصول إليها. ولكن ميزتها أنها ليست بيعة تنظيمية أو حزبية يمكن أن تتدخل بها مؤثرات عديدة وشروط وضعية دنيوية بل هي بيعة ذات شروط عقدية يبايع المسلم فيها الله سبحانه وتعالى والإخلاص في العمل الذي أراد أن يساهم فيه. هذا ما يبوح به مرشد الجماعة الشيخ عمر التلمساني الذي يرى، أيضًا، أن كلمة «البيعة» أثير حولها الكثير من الجدل وربما الشكوك ممن يريدون تشويهها في حين أنها ليست بالكلمة التي تخيف إنسانا أو تربط إنسانا بإنسان لأن الله تعالى يقول: «إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم» [3] (سورة الفتح، آية 10) . هذا المحتوى للبيعة يعكس، في واقع الأمر، جوهر الدعوة التي نادى بها الشيخ حسن البنا والتي تجتمع فيها المدارس الإسلامية الثلاث، الإصلاح، الدعوة والجهاد. فالعضو المبايع هو فعلا مصلح وداعية ومجاهد. غير أن وجهة الدعوة هذه تغيرت وأصبحت ذات منحى إصلاحي يبتعد عن الجهاد بحيث لا نجد للعضو المجاهد أي حضور. ولا شك أننا إزاء تجميد لبعض أركان البيعة وتطبيقاتها التاريخية بل وتوجيه البيعة برمتها نحو الفلسفة الإصلاحية واختزالها في الالتزام والطاعة تلبية لاحتياجات الدعوة في توجهاتها الجديدة. وعلى المستوى التنظيمي فمن الصعوبة توقع فوز العضو بالبيعة خارج العمل الإصلاحي وقيوده. وإذا ما أينعت همهمات البعض في التساؤل عن مكانة الجهاد في استراتيجيات الجماعة فالإجابة المألوفة أن الأوان لم يحن بعد. وهي إجابة رطبة إذا ما عُلّلت بمحتوى الفلسفة الإصلاحية القائمة على الإعداد والتكوين (التمكين أولا) . أما إذا ما تعاقبت التساؤلات فإن مكانة العضو التنظيمية تهتز حين يتعرض للحصار والريبة والعزل وربما الإقصاء وكأن تَقَصي مكانة الجهاد توازي الخروج عن البيعة.
ولا يخفى أن من نتائج هذه الفلسفة احتمالين: الأول هو خلق جيل فلسطيني برعاية الجماعة خال من أية ثقافة جهادية، وحتى من ثقافة تاريخية وسياسية حول قضيته، لأنه مُغَيب عنها أصلا. وثقافته عنها لا تزيد عن ثقافة العوام من الناس فلسطينيين كانوا أو عربا [4] فضلا عن شعوره بالحرج حينا واللامبالاة حينا آخر عند الحديث
(1) أبو عامود (محمد سعيد) : البناء التنظيمي لجماعات الإسلام السياسي ... - الوحدة - مرجع سابق - ص 232.
(2) البنا (حسن) .- مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا - مطابع الوفاء - المنصورة، جمهورية مصر العربية - بدون تاريخ - ص390. ومن الآن سنعتمد لفظ"الرسائل"للدلالة على المؤلف مع تحديد اسم الرسالة ورقم الصفحة حتى نهاية البحث.
(3) أبو عامود (محمد سعيد) .- البناء التنظيمي لجماعات الإسلام السياسي ... - مرجع سابق - ص 232.
(4) (ثمة دراسة ميدانية صغيرة أجراها مركز الأبحاث الفلسطيني على نخبة مثقفة من طلبة الجامعات المصرية واللبنانية استهدفت اختبار المستوى المعرفي لهم في جوانب تاريخية وسياسية بسيطة للقضية الفلسطينية. وقد اختيرت الجامعات المصرية واللبنانية باعتبارها أكثر الجامعات حراكا سياسيا حول القضية. وقد أُجري الاختبار على 112 طالبا من أصل 200 طالب. إذ تغيب نحو 88 طالبا عن الاختبار. وضمت العينة 73 فلسطينيا و 33 عربيا بينهم 21 مصريا و 12 أردنيا و 6 آخرين من لبنان والعراق واليمن والبحرين. ومن بين الأسئلة المطروحة عبَّر 70%منهم عن اهتمام كبير جدا بالقضية الفلسطينية، و 27% عن اهتمام كبير و 3% عن اهتمام متوسط. أما نتائج الاختبار فكانت على عكس درجة الاهتمام. إذ كشفت عن مستوى معرفي بالقضية محدد بـ 17.846% فقط. راجع: صايغ(أنيس) .- الجهل بالقضية الفلسطينية: دراسة في معلومات الجامعيين العرب عن القضية الفلسطينية - مركز الأبحاث (م. ت. ف) - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى شباط/ فبراير 1970.