ذاتها منذ العام 1983. فالأجهزة العسكرية والأمنية التي تأسست آنذاك عنت بالدرجة الأساس الإعداد والتحضير للجهاد المسلح وليس خوضه أو مباشرته في حينه. وعلى كل حال، إذا أحوجنا التحقق من هذه المسألة فما علينا إلا الاستعانة بالأطروحات الإسرائيلية باعتبار إسرائيل الجهة المعنية مباشرة بأي تحول نظري أو عملي تجاه العمل المسلح. ولنتساءل: متى يصح القول بأن الجماعة باتت مؤهلة لإطلاق مشروع جهادي؟
ففي معرض حديثهما عن قرار الجماعة سنتي1985و1987 فيما يتصل بالمشاركة في المقاومة المدنية ضد إسرائيل يشير باحثان إسرائيليان إلى أن: «الفرضية القائلة أنه من الممكن تقييد التنظيم وإرساؤه على مسارات محافظة وغير سياسية فرضية غير مأمونة من أساسها. إذ أن فصل الدين عن السياسة غير وارد بالنسبة للمسلم المتدين. وحتى من يمارس في بداية طريقه شؤون البر والإحسان لطائفة من الناس وإنقاذ الأرواح الضالة من المحتم عليه أن يتخذ مواقف باتة في شؤون الساعة إن عاجلا أو آجلا» [1] . ويبدو أن الأجل حان لما اندلعت الانتفاضة لولا أن مصادر إسرائيلية أخرى «مالت إلى الاعتقاد بأن «حماس» ترددت في بداية طريقها في استخدام أسلحة نارية ووسائل «تخريب» متطورة ضد قوات الاحتلال كما كان يفعل أعضاء «الجهاد الإسلامي» ، وتفسر ذلك بـ «أن الحركة كانت لا تزال تخضع آنذاك لنهج «المجمع الإسلامي» الذي كان يطالب بإصلاح نفس المسلم أولا وحينها فقط يتم الخلاص من الاحتلال اليهودي الكافر. ومال المجمع إلى الاستفادة من حرية النشاط النسبية التي منحته إياها السلطات الإسرائيلية وإلى تأجيل الجهاد إلى المرحلة المقبلة» [2] .
ومن المؤكد أن التردد لن يطول أو يصمد أمام اندفاع دعاة «التعجيل» الذين باتوا متحررين من قيود الفلسفة الإصلاحية. وإن كانت القيادة لما تزل بعد مختلفة على توقيت الانطلاقة العسكرية فمن المؤكد أيضا أن القواعد لم يعد يعنيها هذا الاختلاف ابتداءً من سنة1989 حيث بدأ مقاتلو «حماس» بشن هجمات نوعية ضد القوات الإسرائيلية في العمق. ففي3/ 2/1989 اختطف الجندي «آفي ساسبورتس» وتم قتله. وبعد ثلاثة شهور بالضبط اختطف الجندي «إيلان سعدون» بتاريخ 3/ 5 وتم قتله بعد رفض إسرائيل تلبية مطالب الخاطفين. غير أن مصادر إسرائيلية تحفظت على نسبة مثل هذه الهجمات إلى «حماس» ، ورجحت كونها «مبادرة محلية حظيت بتأييد القيادة العليا» للحركة أو إلى «مجموعة نشطت بموافقة حماس» بالرغم من اعترافها أنها مثلت الانطلاقة الحقيقية لنشاط «حماس» العسكري [3] .
(1) شيف (زئيف) و يعاري (إهود) .- انتفاضة - مرجع سابق - ص 260.
(2) عايد (خالد) : نشاط حماس العسكري في المرآة الإسرائيلية - الدراسات الفلسطينية - العدد 13 - مرجع سابق - ص 157. وفي مقالة أخرى نشرت للباحث في صحيفة السفير اللبنانية بتاريخ 30/ 3/1989 جاء فيها:"أنه لم يبلَّغ حتى الآن عن قيام"حماس"بجهاد مسلح". وهذه الوضعية تصفها صحيفة"علهمشمار"الإسرائيلية (20/ 4/1990) بكون حماس جاءت حلا وسطا بين"الجهاد الإسلامي"و"الإخوان المسلمين".
(3) نفس المرجع: ص 159.