قبل فوات الأوان. واقترحت المذكرة المرفوعة في شهر تموز/يوليو سنة1957: «أن يتبنى الإخوان الفلسطينيون إقامة تنظيم خاص بجانب تنظيمهم، بحيث لا يحمل لونا إسلاميا في مظهره وشعاراته، وإنما يحمل شعار تحرير فلسطين عن طريق الكفاح المسلح. وأن يتولى التنظيم الجديد الإعداد لهذا الكفاح وأن يبدأ بممارسته متى توفرت له العدة» [1] . غير أن الجماعة أهملت المذكرة. وكان موقفها إزاء المشروع مزيجا من اللامبالاة وعدم الجدية [2] .
والثابت تاريخيا أن الانطلاقة الفعلية لحركة «فتح» كانت في آذار/ مارس1968 إثر معركة الكرامة. وما بين الانطلاقة الإعلامية والسياسية (أواخر الخمسينات) والانطلاقة العسكرية (1965) لم يؤد الإهمال واللامبالاة إلى قطيعة بين حركة «فتح» وجماعة «الإخوان» بل إلى اتصالات كثيفة. إذ كان من الصعب على «فتح» الانبتات من حاضرها المكون في غالبيته الساحقة والمركزية من «الإخوان المسلمين» ، والمتخم بالفكر الإسلامي تنظيميا [3] وعقديا، مثلما كان من الصعب على الجماعة ألا تبالي في كون «فتح» هي الابنة الشرعية العاقة التي خرجت عن طوعها واستحوذت على قياداتها. لذا فقد ظلت الجماعة المطاردة و «فتح» تحاولان التقرب من بعضهما دون جدوى حتى العام 1965، عام «الانفصال النكد» كما اشتهر.
ففي سنة 1962 أوفدت «فتح» سليمان حمد إلى غزة للتفاوض مع هاني بسيسو [4] مسؤول الجماعة إلا أنه فشل في إقناع «الإخوان» الذين أصروا أن يكون لهم ثلاثة أعضاء في مجلس قيادة «فتح» المكون من خمسة أعضاء. فعاد «حمد» إلى الكويت وأبلغ ياسر عرفات بشروطهم فطلب منه ثانية الاتصال بالإخوان ليبلغهم أن لهم في المجلس أربعة أعضاء وليس ثلاثة، وكان ذلك في صيف العام 1963.إلا أن الجماعة جددت رفضها وأصرت على أن تعين هي الأعضاء الثلاثة وليس «فتح» . وهو ما رفضه «عرفات» الذي خشي من سيطرة الإخوان على الحركة الوليدة [5] . وكانت مشكلة الجماعة في واقع الأمر تتمثل في كون «فتح» حركة تحرر وطني لا عقدي. وهي الإشكالية التي كشف عنها أحد قادة حركة «حماس» حين قال أنه:
«في سنة 1964 حضرت إلى الكويت شخصيتان من «الإخوان» انضمتا إلى «فتح» هما كامل الشريف ورمضان البنا بهدف التفاوض مع قيادات الإخوان المهاجرة ممن باتوا يمثلون التنظيم السري للإخوان المسلمين الفلسطينيين التابع لتنظيم «الإخوان» في الأردن. وقال لنا «الشريف» : كم تريدون من مقاعد داخل حركة «فتح» ؟ فقلنا: إننا مستعدون للتجاوب مع هذا
(1) الحروب (خالد) .- حماس: الفكر والممارسة السياسية - مؤسسة الدراسات الفلسطينية - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى 1996 - ص 24. نقلا عن: أبو عزة (عبد الله) .- مع الحركة الإسلامية في الأقطار العربية - الكويت - دار القلم - 1992 - ص 71.
(2) نفس المرجع.- ص 27.
(3) (لدى انطلاقتها أُشتهرت"فتح"بالسرية المطلقة. وهي إحدى السمات التنظيمية والتربوية لجماعة الإخوان المسلمين منذ عهد حسن البنا الذي طالما شدد في رسائله على وجوب التحلي بالسرية في العمل والتعود على ذلك.
(4) (( اعتقلته السلطات المصرية لاحقا وتوفي في السجن.
(5) صالح (محسن) .- الطريق إلى القدس ... - مرجع سابق - ص 162.