والعصبية والمزاجية ونزعة التعالي على الآخرين تظل صفات لا تنسجم البتة مع الروح الجماعية في العمل زيادة على ضربها للمعايير والتراتيب المعمول بها [1] .
? الإعانات الاجتماعية
من الأمثلة الملفتة للانتباه موضوع المساعدات المالية للمعوزة عائلاتهم من المقاتلين. فقد تبين من التجارب أن بعض المقاتلين التحقوا بالثورة ومن ثم وقع فرزهم للخدمة في السرية الطلابية أو كتيبة الجرمق، وبينهم متزوجون يعيلون عائلات يزيد عدد أفرادها عن الستة أفراد أو أكثر. وصنف آخر التحق بالثورة وكان المعيل الوحيد أو الأساسي لأسرته. وقد نجم عن هذه الحالات الاجتماعية تضرر دخل الأسرة إما بسبب قلة المرتبات التي لا تكفي لسد احتياجات أسرهم أو بسبب التزامهم وعدم القدرة على ممارسة أعمال أخرى ترفع من دخل الأسرة. وحتى لا يؤدي هبوط الدخل الأسري إلى ضغوط نفسية على العضو قد تدفعه إلى الانسحاب من الثورة وبالتالي تفاقم مشكلة الاستنزاف البشري؛ وليطمئن المتطوع على حاضر أسرته ومستقبل معاشها، تقرر مخالفة المألوف وتأسيس «صندوق دعم المقاتل» في إطار «الكتيبة» ، وهو أول مؤسسة من نوعها تنشأ داخل القوات العسكرية المكلفة، أصلا، بمهام القتال وليس بمهام اجتماعية أو اقتصادية لاسيما أن للمقاتل ضمانا اجتماعيا وصحيا كان يٌحسم من راتبه الشهري في الإدارة المالية المركزية.
وتبعا لذلك فقد كُلف قادة الوحدات في «الكتيبة» بتحري الوضع الاقتصادي والاجتماعي والصحي للعناصر وللضباط على السواء وإبلاغ القيادة التي قررت حل كل المشاكل داخليا، بما فيها المشاكل ذات الطابع الشخصي [2] ، بهدف تجنيب المقاتل مهانة الروتين الإداري ومعوقاته المؤذية لنفسية «الفدائي» المتعالية على طلب المساعدة أو المتحرجة من البوح بها [3] . ولأن غالبية المشاكل وقع حلها داخليا عن طريق «الصندوق» أو «المندوب المالي» الخبير بالشؤون الإدارية مع المركز والمعتاد عليها، فقد تعرض الأفراد لصدمة كبيرة حينما اضطروا إلى التعامل المباشر مع المركز. ولَكَم كانت دهشتهم مؤلمة لما بدا لهم أن «فتح» التي يعيشونها في «الكتيبة» هي غير «فتح» التي اضطروا للتعامل مع إداراتها. فلم يكن يدر أحد من العناصر المقاتلة أنهم ربما يكونون منبوذين مثل قادتهم لا لشيء إلا لكونهم من مقاتلي كتيبة الجرمق.
(1) شفيق (منير) .- شهداء ومسيرة - مصدر سابق - ص 103. من ملخصات كتاب"أفكار ثورية في ممارسة القتال".
(2) (إ أبرز مثال على ذلك هو علي أبو طوق(الأعزب) وضابط يدعى أبو ضرغام (متزوج وله ثمانية أبناء) الذي كان يتلقى من الأول مبلغ مائة ليرة لبنانية فوق مرتبه دون أن يعلم أحد في الكتيبة ودون أن يعلم"أبو ضرغام"ذاته. وبات الاثنان في ذمة الله وهما على هذه الصورة التي ما زالت مجهولة للكثير من أفراد الكتيبة وضباطها.
(3) (( لم يكن الفلسطيني الذي يلتحق لأول مرة في الثورة يتوقع أنه ثمة مخصصات مالية في آخر الشهر خاصة من الفلسطينيين المقيمين في الأردن ومناطق الشتات.