? ظاهرة الاختلاط الجنسي
غداة تشكيل السرية الطلابية من حوالي «80» طالبا وطالبة تقرر العمل في منطقة «الشّياح» في مدينة بيروت. ولم يطل الوقت حتى انتقلت السرية إلى منطقة «رأس النبع» حيث اتخذت من مدرسة عزيزة طيارة مقرا قياديا ومنطقة دعم ومساندة لوجستية. أما الانتشار العسكري فكان في منطقة متقدمة هي «البرجاوي» وسط مدينة بيروت وعلى أطراف المنطقة الشرقية منها حيث المواجهة مع القوات الكتائبية. وكانت هذه القوات تمارس أعمال القنص ضد السكان والاعتداء على ممتلكاتهم وتعريضهم لمخاطر أمنية واعتداءات جسدية وأخلاقية بين الفينة والأخرى حتى وصل الأمر إلى تهجير البعض منهم. وكانت المفاجأة أن «السرية» وقيادتها وأفرادها شعروا بالعزلة ورفض السكان للتعامل معهم بالرغم من أنهم- السرية - قدموا الحماية لهم. وكانت العزلة شاملة بما يشبه المقاطعة، ولا شك أن القيادة ذهلت لهذا الموقف فسارعت إلى الاستنجاد ببعض السكان المتعاطفين واللبنانيين المشاركين في «السرية» لمعرفة الأسباب. وتبين أن السكان غاضبون من رؤية الاختلاط الجنسي في العمل بحيث تصوروا أن المسألة الأخلاقية منفلشة بين هذه القوات في حين أن الأعراف الاجتماعية السائدة تأبى أي اختلاط جنسي، زيادة على خشيتهم الذاتية من أن تكون نساءهم ضحايا محتملات. وعلى الفور اتخذت القيادة تدابير تقضي بفصل الإناث عن الذكور وتغيير الأدوار والمهمات في إطار إعادة تقسيم للعمل. فالرجال كُلفوا بمهام القتال والتحرك بين السكان منعزلين عن النساء. أما النساء فقد تم عزلهن وتأسيس لجان إغاثة منهن وافتتاح مستوصف طبي للعناية بالجرحى والمرضى من السكان والمقاتلين على السواء، كما تأسست لجان اجتماعية مهمتها الاتصال بالسكان والتعرف على اقتراحاتهم وآرائهم حتى لا تحدث احتكاكات أو تتكرر مثل هذه الظواهر [1] .
? القرى الحدودية السبعة
الثابت أن فاعلية الموقف السياسي والعسكري في المناطق المحتلة أو المضطربة تتحدد في ظل أنماط العلاقات السائدة بين السكان من جهة وأنماط العلاقات المزمع بناؤها من قبل قوى الاستقطاب من جهة أخرى. وخشية البطش بهم أو بممتلكاتهم يميل السكان عادة إلى التزام الهدوء بحثا عن السلامة والأمان قبل أن يحددوا مواقفهم. فالمسألة الوطنية تحتم على السكان التعاون وعلى القوى المنبثقة منها نسج أفضل العلاقات معها وطمأنتها بهدف كسبها باعتبارها الرصيد الإستراتيجي أو «القوة الثالثة» في مقاومة الأعداء حسب تعبير «كلاوزفيتز» . وهذا الوضع ينطبق على سكان الجنوب اللبناني.
صبيحة انتهاء الحرب الأهلية كان الوضع العسكري في الجنوب مفككا. والعلاقة مع السكان متدهورة. وفضلا عن ذلك، تقوم القوات الكتائبية المتحالفة مع إسرائيل بالمساعدة على إقامة منطقة عازلة، «حزاما أمنيا» ، داخل لبنان وعلى امتداد الحدود مع إسرائيل. وكانت السرية الطلابية أول القوات التي غادرت مواقعها بعد توقف الحرب
(1) مقابلة مع مصادر مختلفة - حزيران/ يونيو1998.