فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 413

ليصار إلى «رجعي- تقدمي» . أما في الجانب المعادي فقد اتخذ الفرز صيغة عنصرية قومية «فلسطيني- لبناني» ثم تصاعدت حدته إلى طائفية دينية «مسلم - مسيحي» ليصل ذروته إلى إنكار انتماء لبنان إلى محيطه العربي «الغرباء - اللبنانيين» . وكانت بداية الفرز حين وافق كمال جنبلاط رئيس الحركة الوطنية اللبنانية على قرار يقضي بـ «عزل» حزب الكتائب. أي إقصائه عن الساحة السياسية الرسمية والشعبية وتصفيته باعتباره حزبا عنصريا وعدوانيا. ولم يكن ياسر عرفات في لبنان حين اتخذ قرار العزل. ولما عاد قال له كمال جنبلاط: «أنا وافقت بناء على طلب قيادة «فتح» في اللجنة القيادية المشتركة اللبنانية- الفلسطينية وعليك أن توافق الآن» [1] . وفي المحصلة فإن قرار العزل كان يعني الدخول في مواجهة بين القوى الثورية المشتركة من جهة والقوى المسيحية المارونية وفي مقدمتها حزب الكتائب من الجهة المقابلة، حتى حدثت القطيعة قبل أن تبدأ الحرب. لهذا السبب عارض التيار القرار في وقت كانت فيه المعارضة «ضربا من الجنون» ، وفي ساحة وطنية اندفعت قواها المسلحة وغير المسلحة نحو التسلح وتكوين الميليشيات، فيما اندفعت القوى المعادية وذات المصلحة في اندلاع الحرب إلى الميدان لإذكاء التوتر، فكانت حربا لا أخلاقية دفع ثمنها الأبرياء من الجانبين مثلما دفعت الثورة ثمنها الباهظ والمصيري فيما بعد. السؤال هو لماذا عارض التيار قرار العزل؟ وكيف استفاد منه؟

خشي التيار أن يشكل قرار العزل سابقة في صياغة العلاقات بين القوى الثورية المتحالفة ونهج عمل مرشح للتعميم كلما نشأ خلاف بين القوى. وفعليا لم يطل الوقت حتى فرضت تيارات اليسار الفلسطيني واللبناني المتنفذة على الساحة السياسية معايير أيديولوجية على القوى الحزبية والجماعات المحلية سواء كانت إسلامية أو مسيحية أو مستقلة أو اجتماعية تقليدية غير منتمية. وأصاب هذا النهج المجتمع اللبناني بأخطر انقسام في وقت ينبغي الحفاظ على تماسكه لضمان قدرته على دعم الثورة ومساندتها وليس إخضاعه لفرز أيديولوجي على قاعدة «تقدمي- رجعي» أو «يساري- يميني» . هو الانقسام. لأنه عنى استبعاد وتهميش القوى الإسلامية أو المعارضة لأسلوب العزل أو اللامنتميه [2] . فكيف يمكن، مثلا، تهميش «الشيعة» بينما هم الغالبية السكانية لجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لمدينة بيروت؟ وكيف يمكن إقامة علاقات مع القيادات الإسلامية السنية والشيعية في ظل سياسة الفرز الأيديولوجي؟ وما هي معايير التعامل مع الجماعات الاجتماعية المحلية اللامنتمية حزبيا أو اللامعبأة سياسيا؟ بل كيف يمكن القبول بتجاهل مجتمع أو السماح بتجزئته؟ لا ريب أن العديد من الأسئلة يمكن طرحها في السياق ولكن النتيجة واحدة: قرار العزل وتطبيقاته المحلية أدى إلى فك ارتباط بين الثورة والجماهير خلافا لمقررات الخطاب الأيديولوجي الثوري.

(1) نفس المصدر.- الحاشية (1) ، ص 77.

(2) المدهون (ربعي) : الحركة الإسلامية في فلسطين .. - مرجع سابق - ص28. إذ ينقل الباحث عن كاتب فرنسي القول:"أن القطيعة بين القوى الإسلامية و"فتح"التي تمت في الفترة ما بين 1973 - 1975، وهي الفترة ... ="

= ... التي عرفت"بصعود نجم اليسار"جاءت نتيجة للتحالف مع اليسار اللبناني، بالإضافة إلى تدفق الماركسيين الفلسطينيين صوب"فتح"و"انضمامهم إليها". وردت لدى: لوغران (جان فرا نسوا) : الإسلاميون والنضال في الأراضي المحتلة. نقلا عن"رفيو دي سيانس بوليتيك"- المجلد 36 - العدد2 - نيسان/ أفريل 1986 - مترجم لدى (م. ت. ف) ، مركز التخطيط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت