للفلسطينيين فضلًا عن الثورة الفيتنامية إلى حد كبير. و سنتخذ من الثورة الصينية نموذجًا لمعاينة مشكلتي مجتمع الثورة والتوقيت.
تبنى «ماوتسي تونغ» الماركسية سنة 1920 وانخرط في الحزب الشيوعي الصيني. ومنذ هذا التاريخ اقترن اسمه بالحركة الثورية الصينية في كفاحها الطبقي والقومي. وتمثل أفكاره، فيما يتعلق بالثورة المناهضة للاستعمار، تيارًا ثالثا خرج عن إطار تياري الأممية الثالثة التي انقسمت في العشرينات بين اتجاهين هما:
الاتجاه الأول بزعامة ستالين والذي يرى أن الثورة، بحكم أنها مناهضة للإقطاع على الصعيد الداخلي، وللإمبريالية على الصعيد الخارجي، لا بد وأن تقودها «البرجوازية الوطنية» [1] .
الاتجاه الثاني بزعامة تروتسكي والذي يعتقد باستحالة الثورة البرجوازية في زمن تحالفت فيه مصالح الطبقات السائدة قاطبة (بما فيها الطبقات الواقعة تحت السيطرة نسبيًا) مع الرأسمال العالمي ضد البروليتاريا العالمية. وبالنظر إلى ضعف البروليتاريا فلا بد من التريث والانتظار ريثما يفرز تطور قوى الإنتاج القوة القادرة على تحقيق الثورة.
وقد مثل موقف «ماو» المضاد للأطروحتين أحد أهم خصائص الثورة الصينية على الإطلاق. ففي أعقاب انعقاد المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي الصيني تقرر الاتحاد مع حزب الشعب الوطني (الكومنتانغ) الذي يتزعمه «صن يات - صن» . ولما توفي الأخير سنة 1925 انقسم الحزب إلى جناحين تزعم «تشيانغ كاي- شك» فيه الجناح المعتدل الذي يمثل «البرجوازية الوطنية» . ولأن هذه الطبقة تظل ذات طابع متقلب وعاجز عن قيادة الثورة فقد رفض «ماو» أطروحة ستالين الداعية أصلًا إلى وضع الشعب الصيني تحت قيادة الكومنتانغ بزعامة تشيانغ كاي- شك. ولكن لماذا لم يبادر بإطلاق شرارة الثورة على قوات الكومنتانغ لاسيما وأنه رفض الأطروحة الثانية التي تدعو إلى الانتظار؟
لعل الزعيم الصيني «كلاوزفيتزي» في الصميم. فقد أدرك هذا الأخير كنه الحرب و اختط منهجًا للتعامل معها: «يجب أن نتعقل الحرب، أن نحللها في جوهرها وماهيتها، أن نفهم أغراضها على تنوعها، لا أن ننظر إليها على أنها فوضى، عنف خالص يفجر الوضع القانوني ويحدث انقطاعًا في التاريخ السياسي» . لذا عرفها بأنها «استمرار للسياسة
(1) ("البرجوازية الوطنية"هي الشريحة الوسطى من الطبقة البرجوازية، و التي تلعب دورا تقدميًا في العالم الثالث حيث الدول حديثة الاستقلال. فهي تتحالف مع الطبقة العاملة و تقف وراء سياسة الاستقلال الاقتصادي و رفض التبعية الأجنبية. و عادة ما تقبل أشكال السياسة الاشتراكية بقدر يحفظ لها حدا أدنى من الملكية دون إلغاء الملكية تمامًا. لذا فهي تخوض معارك ضد الاستعمار و السيطرة السياسية و الاقتصادية، بيد أنه لا بد من التمييز بين"يمينها"المرتبط بالرأسمالية العالمية و"يسارها"المشترك في ركب الحركة الوطنية. عودة إلى الكيالي(عبد الوهاب) .- موسوعة السياسة - مصدر سابق - المجلد الأول - ص595.