هذان الحدثان تركا آثارا بالغة على الهوية الفلسطينية تجلت في الانسحاب التدريجي من الحزبية والانكفاء نحو الهوية الفلسطينية عبر نشوء عشرات المنظمات الفلسطينية السرية ما بين (1961 - 1964) [1] . ومنذ الانفصال بدأت حركة «فتح» تميل نحو التحول إلى حركة جماهيرية [2] . وانتعشت المناقشات حول فعالية الكفاح المسلح كوسيلة وحيدة وطنية للتخلص من الاستعمار مسترشدة بتجارب سابقة. وتاريخيا فإن المناقشات التي أعقبت الحدثين الكبيرين لم تشفع لحركة «فتح» التي ظلت حبيسة إطارها الضيق كحركة سرية فشلت في الحد من هيمنة الفكر القومي الحزبي والرسمي والذي استطاع أن يوْجِد كيانا فلسطينيا «منظمة التحرير الفلسطينية» سنة 1965 بالصيغة التي يرتضيها وبطريقة توليفية وملفقة تعكس قبول جميع الأطراف به بكل تناقضاتهم. وفقط لما هبط «الكفاح المسلح» إلى واقع ميداني في الفاتح من شهر كانون الثاني/ يناير سنة 1965 بدأت التحولات الفعلية الكبرى نحو هوية فلسطينية مقاتلة حرة من أي قيد في قراراتها واستراتيجياتها وفعالياتها. هذا الحدث هو الذي أبهر الجماهير [3] المتعطشة بمختلف فئاتها للتغيير لمّا شكل مصداقية لحركة بشرت به طويلًا، وتحديًا عمليًا للنزعات الفكرية والنظرية. ومع الوقت أخذت الحزبية تتقهقر لصالح الكفاح المسلح.
وثمة حدثين آخرين أوقعا القوى كافة بإحراج شديد هما حرب العام 1967 ومعركة الكرامة جنوب الأردن في 21آذار/ مارس سنة 1968. فبقدر ما ذهل الفلسطينيون أمام ضعف الجبهات العربية الثلاثة (مصر، سوريا والأردن) وسرعة انهيارها [4] كذلك الأمر إزاء التحدي الحاسم لإسرائيل من قبل الفدائيين الذين صمموا على مواجهة الاجتياح العسكري للقوات الإسرائيلية مهما كانت النتائج [5] . وأدى انتصار الفدائيين والجيش الأردني على القوات الغازية وإجبارها على الانسحاب، بخسائر كبيرة، إلى انهيار للأيديولوجيات والبنى التنظيمية للأحزاب القائمة. فقد هجر الأعضاء، جماعيًا، أحزابهم نحو المنظمات الفلسطينية الفدائية خاصة نحو حركة «فتح» التي، بسبب عدم تبنيها لأية عقيدة أو أيديولوجيا نظرية، وفرت «للمهاجرين الجدد» ملاذا يمَكِّنهم من الاحتفاظ بأفكارهم ومعتقداتهم [6] إن شاءوا بشرط أن يلتزموا الخط السياسي والتنظيمي للحركة سواء كانوا فلسطينيين أم عربا. ولا شك أن هذه الهجرات التي أعقبت الحدثين أدت إلى نتائج حاسمة على الفكر السياسي والأيديولوجي للأحزاب
(1) الموسوعة الفلسطينية.- الحسن (خالد) : فكر حركة التحرير - مصدر سابق - ص 988. ويلاحظ"الحسن"أن أسماء التنظيمات الفلسطينية المنشأة تكاد تكون في معظمها متشابهة. إلا أن الطريف أن أحدًا منها لم يستعمل كلمة حزب، وبدلًا من ذلك اتخذت اسم"حركة"أو"جبهة"أو"منظمة". وكلها كانت تنتهي بكلمة (عودة) أو بـ (تحرير فلسطين) .
(2) خلف (صلاح) .- ... بلا هوية - مرجع سابق - ص 72.
(3) الموسوعة الفلسطينية.- علوش (ناجي) : فكر حركة المقاومة الفلسطينية ... مصدر سابق - ص 933.
(4) نفس المصدر.- الحسن (خالد) : فكر حركة التحرير ... / ص 986 - 989.
(5) يعلق"جيرار شاليان"على نتائج حرب حزيران/ يونيو 1967 بالقول:"إن المنتصرين في حرب حزيران / يونيو هما إسرائيل وحركة المقاومة الفلسطينية". راجع: أبراش (إبراهيم) .- البعد القومي ... - مرجع سابق - ص 214. نقلًا عن: شاليان (جيرار) .- المقاومة الفلسطينية - دار الطليعة - بيروت، لبنان - 1970 - ترجمة، صباح كنعان - ص5.
(6) الموسوعة الفلسطينية.- علوش (ناجي) : فكر حركة المقاومة الفلسطينية ... - مصدر سابق - ص 933.