وهذا الأمر قد جعله يتناثر بشكل مفتعل في كلمات (هشام العابر) وأحاديثه مع نفسه خلال الأجزاء الثلاثية.
فمن ذلك:
1 ـ قوله عن هشام: (عصر ذلك اليوم ذهب مبكرًا إلى منزل عبد الكريم، ولم تكن الشلة قد وصلت بعد. كان عبد الكريم مسترخيًا وقد مد رجليه أمامه، ولا يرتدي إلا سروالًا نصفيًا وفانيلة بيضاء نصف كم، ويحتسي الشاي الذي لا يفارقه أبدًا، وقد أمسك برواية"الغريب"لألبير كامو وهو مستغرق في قراءتها. كان باب"الحوش"مفتوحًا كالعادة في مثل هذا الوقت، ولذلك لم يشعر عبد الكريم إلا وهشام يقف أمامه وهو يقول:"يا عيني على الأفخاذ الندية. . ."ألقى عبد الكريم الرواية من يده وابتسم محييًا هشام، ثم دعاه للجلوس فيما هو ينهض وقد حمل صينية الشاي قائلًا:"دقيقه واحدة ويكون الشاي جاهزًا"، ثم انطلق إلى داخل المنزل. وما هي إلا دقائق وعاد عبد الكريم وقد ارتدى ثوبًا أبيض، أو كان أبيض فقد كان مليئًا بالبقع الصفراء والبنية، وجلس مقابل هشام وقال دون مقدمات"أنا يا أخي لا أفهم. . . هل هناك فعلًا أشخاص مثل الغريب الذي يتحدث عنه كامو، أم أن المسألة مجرد أبداع مؤلف أو تعبير عن حالته النفسية في لحظة ما؟. . . شخص عبثي لهذه الدرجة! لا يأبه بوفاة أمه ولا بمحاكمته وموته هو شخصيًا!. . . أعتقد أن هذه مبالغة. . . أليس كذلك؟"ومد هشام إحدى رجليه، وشبك ذراعيه خلف رأسه، واستند إلى الحائط وهو يقول:"ربما يكون مثل هذا العبث مبالغة بالنسبة لنا، ولكن لو عرفت الظروف التي عاشها كامو، وحالة المجتمع الأوروبي بعد الحرب، لربما أدركنا أن العبث قد يكون جزءًا من الحياة. . ."، ثم اعتدل هشام في جلسته وهو يقول:"ما الفرق بين العبث والقدر؟،"لم أفهم. . ."قال عبد الكريم،"ما نسميه قدرًا قد يكون عبثًا، وما يسمونه عبثًا قد نسميه قدرًا. المسألة يا عزيزي هي في كيف ننظر إلى الأمور وليس في الأمور ذاتها ليس هناك حقيقة في ذاتها) [1] .
(1) العدامة (ص 180 ـ 181) .