قلت: ولكن من يقول بأن حواء أكلت من الشجرة قبل آدم، أو أنها سهلت له الأكل منها يستشهد بحديث رواه البخاري في صحيحه ويحمله على هذه القصة، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"لولا حواء لم تخن انثى زوجها". قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: (وقوله"لم تخن انثى زوجها"فيه إشارة إلى ما وقع من حواء في تزيينها لآدم الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك، فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها ابليس حتى زينته لآدم، ولما كانت هي أم بنات آدم أشبهنها بالولادة ونزع العرق فلا تكاد امرأة تسلم من خيانة زوجها بالفعل أو بالقول وليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش حاشا وكلا ولكن لما مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة وحسنت ذلك لآدم عد ذلك خيانة له، وأما من جاء بعدها من النساء فخيانة كل واحدة منهن بحسبها، وقريب من هذا الحديث"جحد آدم فجحدت ذريته"وفي الحديث إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم بما وقع من أمهن الكبرى، وأن ذلك من طبعهن فلا يفرط في لوم من وقع منها شيء من غير قصد إليه أو على سبيل الندور، وينبغي لهن أن لا يتمكن بهذا في الاسترسال في هذا النوع بل يضبطن أنفسهن ويجاهدن هواهن، والله المستعان) [1] .
وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: (وكانت حواء أكلت من الشجرة قبل آدم وهي التي حدته على أكلها، والله أعلم، وعليه يحمل الحديث الذي رواه البخاري ... ) ثم ذكر الحديث السابق [2] .
قلت: ومع هذا فلا يحسن أن يقال بأن آدم خرج من الجنة بسبب المرأة، وأنما يقال بأنه ـ عليه السلام ـ خرج من الجنة بسبب مخالفته لنهي الله ـ عز وجل ـ بوسوسة من الشيطان مما ترتب عليه ابتلاؤه وذريته من بعده. وكان هذا قبل أن يتوب الله عليه، ويصطفيه كأول نبي على وجه الأرض.
ـ أما قول الحمد بأن داود ـ عليه السلام ـ أذنب من أجل المرأة فهذا من افترائه متابعة لأشياخه اليهود الذين افتروا على داود ـ عليه السلام ـ في توراتهم المحرفة بأنه عليه
(1) فتح الباري (6/ 424) .
(2) البداية والنهاية (1/ 78) .