مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [1] ، فجنس المحبة تكون لله ورسوله، كالطاعة فإن الطاعة لله ورسوله) [2] .
قلت: وأما ادعاء الحمد بأن عبودية الله وجنته ليس فيها نور، وإنما النور والفجر! في حريته (المزعومة) فهو من تلبيس الشيطان عليه، ومن انتكاس قلبه حتى أصبح يبصر الأشياء على خلاف حقيقتها فغدا النور عنده ظلامًا، والظلمة نورًا، وهذا حال أهل الباطل الذين يرون باطلهم حقًا والحق باطلًا منذ العهود القديمة. ولا أملك أن أقول للحمد في هذا المقام إلا ما قاله ابن القيم ـ رحمه الله ـ: (فأهل الأرض كلهم في ظلمات الجهل والبغي إلا من أشرق عليه نور النبوة، كما في المسند وغيره من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل" [3] فكذلك أقول: ولذلك بعث الله رسله ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، فمن أجابهم خرج إلى الفضاء والنور، ومن لم يجبهم بقي في الضيق والظلمة التي خلق فيها، وهي ظلمة الطبع وظلمة الجهل والهوى وظلمة الغفلة عن نفسه وكمالها وما تسعد به في معاشها ومعادها.
فهذه كلها ظلمات، خلق فيها العبد، فبعث الله رسله لإخراجه منها إلى نور العلم والمعرفة والإيمان والهدى الذي لا سعادة للنفس بدونه البته. فمن أخطأه هذا النور أخطأه حظه وكماله وسعادته، وصار يتقلب في ظلمات بعضها فوق بعض، فمدخله ظلمة ومخرجه ظلمة وقوله ظلمة وعمله ظلمة وقصده ظلمة، وهو متخبط في ظلمات طبعه وهواه وجهله، ووجهه مظلم وقلبه مظلم، لأنه مبقى على الظلمة الأصلية، ولايناسبه من الأقوال والأعمال والإرادات والعقائد إلا ظلماتها، فلو أشرق له شيء من نور النبوة لكان بمنزلة إشراق الشمس على بصائر الخفاش.
بصائر غشاها النهار بضوئه
ولاء مها قطع من الليل مظلم
(1) سورة التوبة، الآية: 24.
(2) الفتاوي (10/ 149 ـ 153) .
(3) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: (2/ 176 ـ 197) ، وأخرجه الترمذي في كتاب الإيمان: (ص 18) .