فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 194

وقد ثبت في الصحيح [1] أن جبريل لما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورة أعرابي وسأله عن الإسلام قال:"أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا". قال: فما الإيمان؟ قال:"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره". قال: فما الإحسان؟ قال:"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"ثم قال في آخر الحديث"هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم"فجعل هذا كله من الدين.

"والذين"يتضمن معنى الخضوع والذل. يقال: دنته فدان أي: ذللته فذل ويقال يدين الله، ويدين الله أي: يعبد الله ويطيعه ويخشع له، فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له.

و"العبادة"أصل معناها الذل أيضًا، يقال طريق معبد إذا كان مذللًا قد وطئته الأقدام.

لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له، فإن آخر مراتب الحب هو"التتيم"وأوله"العلاقة"لتعلق القلب بالمحبوب، ثم"الصبابة"لانصباب القلب إليه، ثم"الغرام"وهو الحب اللازم للقلب، ثم"العشق"وآخرها"التتيم"يقال: تيم الله أي: عبد الله، فالمتيم المعبد لمحبوبه.

ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، كما قد يحب ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله.

وكل ما أُحب لغير الله فمحبته فاسدة، وما عُظم بغير أمر الله كان تعظيمه باطلًا، قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ

(1) أخرجه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت