فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 178

جميع المسائل التي لا نص فيها، كما أنّه التزم بالرأي الذي يستقر عليه أصحابه بعد مشاورتهم وإن خالفوه، وقد كان الرجل منهم من قوّة تربيته على هذا المبدأ يسرع في إبداء رأيه ولكنّه يتحرّز إن كان في المسألة نص ووحي، وقد لمسنا ذلك في ما استعرضناه سابقا.

لقد ربّى رسول الله (?) أصحابه على إعمال الفكر في جميع المسائل على اختلافها حتى في المسائل الخصوصيّة، وكان يسعى في كل أمره إلى تعزيز تبادل الرأي، وتلاقح الأفكار وذلك بهدف الوصول إلى الهدف وهو الرأي الصواب، وقبل كل ذلك جعل قيام دولة الإسلام في عنق كل أصحابه كل يبذل فيها قدر استطاعته، وكان المناخ السائد كما استعرضنا من أحداث أن الشورى بمعناها الشرعي الصحيح الواجب الاتباع قد كانت في تلك الحقبة، إلا أنّها بحاجة إلى تطوير يتلائم مع العهد اللاحق للعهد النبوي الشريف وفق ما يلائم المتغيرات.

وعندما جاء عصر الخلفاء الراشدين كانت الشورى ركيزة من ركائز الحكم أيضا، واستمر الخلفاء الراشدون (رضوان الله عليهم) على النهج الذي رسمه رسول الله (?) في الحياة الشورويّة، واستمرّت المشاورة على أوسع نطاق، وفي جميع المسائل التي لا نص فيها، إلا أنّه يجب التنويه إلى أنّها كانت متفاوتة من عهد خليفة من الخلفاء الراشدين إلى عهد آخر، وبلغت أوج ازدهارها في عهد الفاروق (?) الذي وصل بهذا المبدأ إلى مستوى راق في الحياة الإسلاميّة في عصره.

إلا أن اتساع نطاقها بعد عهدهم لم يكن إلا بالمعنى اللغوي لمفهوم الشورى، فلم يعد أهل الحل والعقد من كبار قريش؛ فقد اتسعت رقعة الدولة الإسلاميّة، ودخل فيها الأعاجم، وقد لمسنا ذلك من الاعتراض الذي حصل من أبو جرّة ضد ابن الزبير الذي دعا لمبايعته دون أن يجعل الأمر شورى بين جميع من ناصره.

ودخلت المسألة في فلسفة عميقة فيما يتعلّق بكون العقل جوهرا فردا قد اختص به أناس معيّنين، أم هو غريزة فطريّة لجميع الناس فيكون من حقّهم جميعا أن يشتركوا في العمليّة السياسيّة، وفي هذه المرحلة بلغ مبدأ الشورى أوج ازدهاره بسبب الانفتاح الثقافي والفكري للدولة الإسلاميّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت