فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 178

وبشكل أو بآخر فإننّا لم نجد في هذا الواقع أي تطبيق فعلي لمفهوم الشورى في حياة المسلمين في تلك الحقبة، ولم يكن مبدأ الشورى كمبدأ يعد من ركائز الشريعة الإسلاميّة بارز في الحياة السياسيّة بشكل أو بآخر، مع أنّه كان من المفروض أن يكون في أوج ازدهاره في تلك الحقبة، ولو كان في أوج ازدهاره لكان انتشار رقعة الدولة الإسلاميّة، وانتشار الإسلام، وثبات الدولة الإسلاميّة أقوى مما كانت عليه، وما كان سائدا في هذا العهد هو الاستبداد والتسلّط، ولم يكن لمبدأ الشورى وجود إلا بالمعنى اللغوي.

وقد كان نتاج ذلك أن تكالبت علينا الأمم من كل حدب وصوب من تتار وصليبيين وغيرهم، وقد عانت الأمّة في ذاك الأوان من ويلات بعدها عن دين الله القويم، واستمر مبدأ الشورى مهمّش في الحياة الإسلاميّة حتى بعد هذه المعاناة.

وهكذا كان انهيار دولة الإسلام بسبب إهمالها لتفعيل هذا المبدأ العظيم في الحياة الإسلاميّة كمبدأ هام، وبسبب عدم تفعيل هذا المبدأ اختلط مع غيره من المفاهيم الغربيّة كالديموقراطيّة التي تختلف بشكل كبير عنه، والذي نادى بها بعض المفكّرين الإسلاميين، ثم شنّت عليها حملة شعواء لأنّها من ثقافة غير ثقافتنا، وذلك إبّان المقاومة للاستعمار الذي كان قد انتشر خلال فترة من تلك الحقبة؛ وذلك بحجّة أنّها تختلف عن مبادئنا وأصول ديننا، وأخيرا استقر الوضع بأن اندمج الواقع الإسلامي بهذا المبدأ، وأصبح الحكّام يفتخرون بالأخذ به، وأصبح تفعيل مبدأ الشورى كما كان في السابق.

إن قراءة متأنّية للعهد اللاحق للخلفاء الراشدون يبيّن لنا أن المسلمين كانوا بصفتهم خير أمّة أخرجت للناس يخضعون للمتغيرات، ولم يكونوا على درجة من القوّة المؤهّلة لكي يخضعوا هذه المتغيّرات لواقعهم وفكرهم، ولا بد علينا أن نعتقد بأن الله سبحانه وتعالى قد أكمل بنبيّه (?) الدين، وإن كان من تقصير فمنّا في تفعيل هذا الدين، وقبل أن يبلّغ رسول الله (?) هذه الشريعة على أرض الواقع ربّى أصحابه على أن يجعلوا هذا الواقع الذي قد استخلفوا فيه طوعا لهم وتفعيلا لمبادئهم لا أن يكونوا هم طوعا له، وما يهمّنا في هذا المقام هو أن نعلم منبع تفعيل مبدأ الشورى على أرض الواقع هو أن يكون منطلقا للجميع، وهدفا للجميع، وواقعا في حياة الجميع، وهذا النهج هو النهج الذي ربّى رسول الله (?) عليه أصحابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت