-أن يجتمع أهل الشورى كلّهم، ويعملوا الفكر، ويحيلوا النظر في المسألة المعروضة للشورى، ويذكر كل واحد منهم ما وصل إليه فكره، وما قدحه خاطره، وما رآه في المسألة.
-أن يبدي كل واحد من أهل الشورى رأيه في سر وكتمان بعد أن يحيل فكره، ويجهد قريحته، ويقدح خاطره، وهذه الطريقة تمتاز بأنها تستكد الفكر، وتستفرغ الجهد، فكل واحد من أهل الشورى يجتهد في إظهار الصواب؛ حتى يحظى رأيه بالقبول [1] . (30)
وأرى في الكيفيّة المناسبة لتحقق الفعالية لمبدأ الشورى أن يكون ذلك في العلن لا في السر؛ وذلك لكي يسمع الباقي رأيه ويناقشوه فيه، أو يسمعوا ما يقول ويناقشوه في وقت لاحق.
أما بالنسبة للوقت المستغرق لكي يبدي المستشار فيه رأيه فإني أرى أن إبداء الرأي في نفس الوقت غير مجد؛ وذلك لأن غالب المسائل إن لم تكن جميعها مما يعرض على مجلس الشورى يكتنفه الغموض، فضلا عن كونه متصلا بالمصلحة الكليّة للأمّة؛ لذلك أرى ضرورة إعطاء الوقت المناسب للمستشار حتى يستغرق في إعمال فكره، ثم بعد ذلك يعطينا نتيجة ذلك الإعمال، ويطرح للنقاش، وتبدى عليه الملاحظات حتى يتوصل بعد تلاقح الأفكار إلى الرأي الأصوب من الآراء، والذي تتحقق فيه المصلحة العامّة للأمّة.
المبحث الرابع
أهل الحل والعقد في العصر الذهبي
لم تكن الشورى في عهد النبي (- صلى الله عليه وسلم -) كما هو حالها الآن، فقد كان أهل الشورى من البارزين، وأهل الرأي، وذوي البصيرة من الصحابة الذين اصطفاهم من خاصّته وصحابته، منهم المكيّون المهاجرون، ومنهم المدنيّون الأنصار.
كان النبي (- صلى الله عليه وسلم -) يختار مستشاريه إما لسبقهم إلى الإيمان والجهاد في سبيل الله، ولسماتهم العقليّة الظاهرة، وصفاتهم النفسيّة الطاهرة، وإما لما يتخلّقون به من أخلاق رفيعة، وآراء سديدة، وسجايا حميدة، أو لزعامة في قومهم، أو لتفوّقهم العلمي والفقهي.
(1) د. حسني درويش، ومنصور العريض، الشورى في دولة البحرين، مرجع سبق ذكره، ص 82.