فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 178

الفصل الثاني

التجربة الحضارية الإسلاميّة

لم تكن للحضارة الإسلاميّة على امتدادها تفعيلا لمبدأ الشورى في الحياة السياسيّة إلا في الحقبة الأولى منها، فما إن انتهى عهد الخلفاء الراشدين حتى أصبحت الشورى شبه منعدمة في واقع المسلمين، وبرأيي لو أن الحضارة الإسلاميّة كان فيها التفعيل لهذا المبدأ لأصبحت في تطوّر حضاري أعظم مما كانت عليه، إلا أنّه لزاما علينا ما دامت هناك تجربة حضاريّة إسلاميّة لهذا المبدأ الإسلامي أن نتدارس مختلف جوانب هذه التجربة، ولكن قبل ذلك لا بد أن نستوعب الواقع الذي وجد فيه هذا المبدأ نفسه؛ وذلك كي نقف على الوعاء التاريخي الذي نشأ فيه، وندرك أبعاده، ونستشرف آفاقه واقعا في عالمنا، بل ونستثمره في النهوض بالأمّة - وما أحوجنا إلى ذلك في هذا الوقت - أكثر مما استثمره أسلافنا.

إن الوعي بالتاريخ لا يعني أن يملك المفكّر أو المؤرّخ مجرّد ذاكرة قويّة؛ لاستيعاب الأحداث التاريخيّة وتسلسلها الزمني الميكانيكي، فالمؤرّخ ليس راوي أقاصيص، وإنّما هو كاشف للقوانين المسيطرة على تلك الحقبة الاجتماعيّة الكبيرة المسمّاة (الدولة) ، ومن هنا أصبح المنهج العلمي هو الأسلوب الوحيد الذي يجب أن يتّبع في دراسة التاريخ، فالتاريخ لا يرتبط بالماضي فقط، وإنّما يدرس الحاضر، ويستشرف آفاق المستقبل اعتمادا على المعايير، والقوانين، والضوابط التي استخرجها من دروس الماضي [1] . (24)

لقد كان الوعي بالتاريخ يعنى بالوقائع المادّية، ولكنّه فيما بعد يعنى بالحقائق النفسيّة، أي أنّه يدرس العلاقة العضويّة بين المظهر والجوهر، بين الاستجابة والدافع، بين النتيجة والسبب، بين الفرد والمجتمع، بين الأمّة والعالم، بين السلم والحرب، فهذا هو التاريخ الحقيقي الذي يركّز الأضواء على الرابطة الروحيّة بين الوقائع ويفسّرها، ولا بد أن نضع نصب أعيننا (أن التقدّم الحضاري في المستقبل يعتمد على الوعي بالتاريخ) .

والرئيس السادات (رحمه الله) كان من المفكّرين الذين يؤمنون بأن الحضارة الإنسانيّة لا تتطوّر تطوّرا عشوائيا أو عفويّا، وإنّما هي تعبير عن حرّية الفكر التي تريد أن تشكّل

(1) نبيل راغب، أنور السادات رائد التأصيل الفكري، دارة المعارف بمصر، ص 73

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت