فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 178

المبحث الثالث

الشورى بعد عصر الخلافة الراشدة

إن مما يؤسف من خلال نظرتنا للتجربة الحضاريّة أنه لم يكن تطبيق مبدأ الشورى بعد عصر الخلفاء الراشدين بمعناه الشرعي المتكامل، بل كان تطبيقه بمعناه اللغوي فحسب، وقد كان الحاكم يأخذ بالرأي، إلا أن ما يستقر عليه أهل الشورى في الموضوع محل التشاور لا يكون ملزما لولي الأمر، وهذا ما يخالف ما استقر عليه المصطفى (?) في مشاوراته، والخلفاء الراشدين من بعده.

وقد كان أصحاب الرأي الذين يشيرون على الخليفة لا يملكون أي صلاحيات يفرضون بها رأيهم عليه، وكان للخليفة مطلق السلطان مع هذه الشورى، وإذا تجاوز فيما يستقر عليه، وعصى الله جل وعلى ورسوله (?) لم يكن للشعب أن يقوّم اعوجاجه إلا بحد السيف.

وقد كانت الشورى بعد عصر الخلافة الراشدة مطبّقة في جميع الأمور سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، وكان الخليفة في الدولة الأمويّة والدولة العباسية يشاور الأمراء، والوزراء، وقوّاد الجيش، وكان مجلس الحاجب في الدولة الأمويّة بالأندلس يدير شئون الدولة، وكان بجانبه مجلس آخر يسمّى (مجلس الشورى) يرأسه الخليفة أو الأمير، ويضم كبار رجال الدولة وبعض أفراد البيت الأموي، كما أنشئت دار في قرطبة لشورى القضاء، وكان أعضاؤها نخبة من العلماء يرجع إليهم في تقرير الأحكام [1] . (32)

أما بالنسبة للشورى كمبدأ لاختيار الخليفة فقد أجهضت وانتهت بعد عهد الخلفاء الراشدين، وبدلا من أن تعيش وتتطوّر الهيئة التي تكوّنت ونهضت بمهام ترشيح الخليفة، وتنظيم الشورى لاختياره، وتقرير الاختيار، وعقد البيعة له، بدلا من أن تعيش وتتطوّر بتوسيع قاعدة الشورى ذهبت بذهاب دولة الخلافة، ونظامها، وفلسفتها، ولم نعد نسمع عن الشورى إلا حديثا تردّده الفرق المناهضة لنظم الحكم التي سادت وهو حديث نظري، وأكثر من ذلك فإنّه حديث يتناول الشورى دون أن يقدّم تصوّرا لشكل تنظيمي يجسّد الشورى في مؤسّسة من المؤسّسات.

ولكننا نعتقد أن التراجع الذي حدث لتجربة الشورى وفلسفتها لا يعني أن التفكير في

(1) د. البدوي - إسماعيل، مبدأ الشورى في الشريعة الإسلامية، مرجع سبق ذكره، ص 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت