فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 178

الخليفة يتولى منصبه إلا بعد استشارة دقيقة مبنيّة على حرّية الرأي، وبعد بيعة عامّة من جميع أفراد الأمّة، ولم يكن الخليفة يكره أحدا على مبايعته، وكان يستمع إلى الآراء ليصلح شأنه على إثر أي نقد يوجّه إليه.

وإذا كنّا قد ذكرنا بعض مواطن الشورى في عهد الصدّيق والفاروق (رضي الله عنهما) ، فلا بد علينا أن نعلم أن مبدأ الشورى لم يقف عند عهدهم بل تجاوز إلى عهد من بعدهم من الخلفاء الراشدين، فها هو عثمان بن عفّان (?) يشاور أصحابه في أمر الثورة فيرسل إلى معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عامر ليشاورهم في الأمر ويقول لهم: (إن لكل امرئ وزراء نصحاء، وإنّكم وزرائي، ونصحائي، وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إلي أن أعزل عمّالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون، فاجتهدوا رأيكم وأشيروا علي) ، فأخذ كل واحد منهم يدلي برأيه في الأمر حتى يصلوا إلى الرأي الأصوب.

ولما تولّى الإمام علي بن أبي طالب (?) أشار عليه المغيرة بن شعبة بأن يثبّت معاوية بن أبي سفيان على الشام، ويولّي طلحة والزبير مصر والعراق ليستقيم له الأمر، ولكن ابن عبّاس عارض هذا الرأي، وهذا إن دل فإنّه يدل على أن مبدأ الشورى كان واقعا في حياة الخلفاء الراشدين، إلا أنّه كان في أوج ازدهاره في حياة الفاروق (?) ، الذي بلغت في عهده مجالات الشورى مبلغا عظيما، وقد كان أكثر عصور الخلفاء الراشدين استقرارا وتطويرا لدولة الإسلام، ولكن إذا كان مبدأ الشورى قد وجد نفسه في عهد الخلفاء الراشدين، فهل استمر هذا الوضع بعد انتهاء عهدهم وبداية عهد جديد يختلف في واقعه وأبعاده؟، أم أن مفهوم الشورى قد اختلفت ركائزه، وضعف تطبيقه، ولم يجد نفسه واقعا في حياة الدولة الإسلاميّة؟ [1] (31)

(1) د. البدوي - إسماعيل، مبدأ الشورى في الشريعة الإسلامية، الطبعة الأولى، 1414 هـ - 1994 م، دار النهضة العربية بالقاهرة، جمهورية مصر العربيّة، ص 138.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت