ذلك إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة (رضي الله عنهما) يستشيرهما، فقالا له قبل أن يبديا رأيهما: (يا رسول الله ... أمرا تحبّه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا ... قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عليكم من شوكتهم إلى أمر ما، فأشارا عليه وخالفاه وأخذ برأيهما.
أما ما يتعلّق بالهدنة التي حصلت في الحديبية فلم يستشر فيها أحدا من المسلمين؛ وذلك لأن ما حصل في صلح الحديبيّة وحي من الله سبحانه وتعالى، فلم تكن محلا للشورى، وبناء على ذلك لم تحصل الاستشارة فيها [1] . (32)
وسوف نستعرض في هذا الفصل من خلال مبحثين الأول نتحدث فيه عن ما يتعلّق بالأمور التي لم يرد فيها وحي ... وهل تكون الشورى فيها على وجه العموم والشمول، أم أنها مقصورة على الأمور المهمّة فحسب؟، والثاني نتحدّث فيه عما يكون محلا للشورى من موضوعات يمكن أن نتشاور فيها ونصل بعد التشاور إلى رأي.
المبحث الأول
نطاق الشورى وآفاقها
تقدّم الحديث بأن الشورى ذات نطاق محدّد ولا يجوز أن تكون محلا لما ورد فيه دليل شرعي قطعي، ومن هنا أصبحت الآفاق التي يمكن أن تكون محلا للشورى ليست على إطلاقها، إلا أن هناك تساؤل يثور وهو أنه إذا كانت الأمور الدينيّة البحتة كالعقائد، والعبادات، والحلال والحرام تخرج عن نطاق الشورى فعلى ماذا يكون التشاور بالنسبة للأمور التي ليس فيها وحي ... هل هو مقصور على الأمور المهمّة، أم هو على سبيل الشمول؟
الاتجاه الأوّل: ويرى فيه أصحابه أن محل الشورى لا يمكن أن يشمل سائر الموضوعات مما لم يرد فيه نص، وإنما يقتصر على الأمور الهامّة، والمسائل الدقيقة التي تحتاج إلى الرؤية والتبصّر، وإعمال الفكر والنظر، ومؤدّى ذلك أن الحاكم ليس بملزم أن يرجع على أهل
(1) د. البدوي- إسماعيل، مبدأ الشورى في الشريعة الإسلامية، مرجع سبق ذكره، ص 71.