معاذ (?) : يا رسول الله قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزّنا بك وبه نعطيهم أموالنا، والله مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال رسول الله (?) : فأنت وذاك، فتناول سعد بن معاذ (?) الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب.
إلا أن التزام الرسول (?) بنتيجة الشورى هنا يتعارض مع موقفه في صلح الحديبيّة، فعندما أراد رسول الله (?) توقيع صلح الحديبيّة مع قريش لم يدع أصحابه لمعرفة رأيهم فيها، كما لم يقبل اعتراض عمر بن الخطّاب (?) ، وقد أجابه بقوله: أنا عبد الله ورسوله ... لن أخالف أمره، ولن يضيّعني، فعلم ابن الخطّاب هنا بأن رسول الله (?) لا يتصرّف في هذا المجال عن اجتهاده الخاص، بل يعمل وفقا لأوامر الله تعالى.
هذه جملة من المواضيع التي كانت محلا للتشاور بين رسول الله (?) وأصحابه، كما أن هناك مواضيع أخرى كانت محلا للتشاور كتعيين الولاة، واتخاذ خاتم التوقيع، والأذان، واتخاذ المنبر في المسجد، وحتى في الأمور الخاصّة كحادثة الإفك، وهذا إن دل فإنّما يدل على أن مبدأ الشورى والتزام المصطفى (?) واهتمامه به إلى هذه الدرجة يدل بشكل كبير على أهمّية الشورى ومكانتها في الإسلام.
إن ما نستفيده من استعراضنا لجملة من المواطن التي شاور فيها رسول الله (?) أصحابه لا يدل على أن هذا على سبيل الحصر، بل علينا أن نعلم بأن الشورى في العهد النبوي الشريف كانت لجميع الأمور ذات الأهمّية للمسلمين والتي لم يكن فيه وحي.
هناك سؤال يطرح نفسه، وهو لماذا أمر الله سبحانه وتعالى نبيّه بالشورى رغم استغنائه بالوحي عن تعرّف صواب الرأي من الصحابة؟
إن الوضع في هذه المسألة يثير الالتباس والحيرة، إلا أننا يجب أن نعرف بأن الله سبحانه وتعالى لم يأمر نبيّه (?) إلا بالمشاورة فيما لم يرد فيه نص شرعي، ولم ينزل فيه وحي، وهذا ما تأكّد لنا فيما حصل في صلح الحديبية، ولا بد علينا أن نعلم بأن رسول الله (?) بشر، وأن خبرته ومعرفته في الأمور التي لم ينزل فيها وحي كغيره من البشر، وكما علمنا