الفصل الثالث
مجالات الشورى وآفاقها
عندما فرض المولى عزّ وجل الإسلام على عباده وضع بعض القواعد التي قصر الإدراك عنها وجعلها نظاما عامّا للمجتمع - واجب الاتباع -، ولا تجوز مخالفته بأي حال من الأحوال، ومنه نستطيع أن نستقي باقي الأمور التي جعلها الله محلا لاجتهادنا وتشاورنا.
إن الدليل على ما سبق مما يؤكّد مرونة التشريع الإسلامي هو أن الله قد أمر بالشورى، إلا أن ما يتعلّق بتفصيلاتها جعله رهن الاجتهاد من أهل الرأي في المجتمع المسلم، لذلك فإن ما يتعلّق بشئوننا نحن المسلمين مقسّم إلى قسمين.
-القسم الأوّل: أمور موقوفة لا محل للاجتهاد فيها شرعها الله حتى تقوم الدنيا على شريعته التي لا تشوبها الشوائب، وتتوافق على الدوام مع سائر المتغيرات، وإذا أردنا أن نضرب مثالا عليها فهناك الصلاة التي هي عماد الدين، فلا مشاورة في وجوبها من عدمه مثلا، وهناك ما يتعلّق بأركان الإسلام، والأمور الغيبيّة مما لا يدركه العقل، وحظر أن يكون محلا للأخذ والرد.
-القسم الثاني: الأمور الدنيويّة التي لا نص فيها، وليست من المسلّمات، وهي من الأمور التي ترك الله فيها للأمّة تحديد المصلحة، وهذه الأمور تدخل في دائرة الشورى، وتكون محلا للتشاور بين أهل الرأي في المجتمع الإسلامي.
إن دائرة الشورى محدّدة، فليس كل موضوع أو أمر يستشار فيه، فهناك أمور قد نص الشارع على حكمهما فلا يستشار فيها؛ لأن آراء الرجال لا تقدّم على الوحي، وقد جعل الإسلام ميدان الشورى ميدانا فسيحا، فالناس يتشاورون في كل أمورهم وأحوالهم ما لم يصطدم ذلك مع نص من الشريعة السمحة من كتاب، أو سنّة، أو إجماع.
,هكذا فهم الصحابة (رضوان الله عليهم) أمر الشورى، وكانوا قبل أن يعرضوا عليه المسألة يسألونه إن كان في الأمر وحي أم هو اجتهاد من النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ، فإن كانت الثانية أبدوا آرائهم وإلا فلا.
ومن دلائل ما سبق ما حدث في غزوة الخندق عندما أراد الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) أن يعطي غطفان ثلث ثمار المدينة شريطة ألا يقاتلوا المسلمين، ويعودوا إلى بلادهم، وبعث لأجل