هذا هو ما قدّمته الديمقراطيّة كنظام يحكم العالم، ولا شك أن ما استعرضناه من فشل لهذا النظام نتيجة الدمار الذي حدث للبشريّة يدل دلالة ناصعة على أن الميزان الذي يقوم على النظرة المادّية للحياة الإنسانيّة يعتبر ميزانا مختلا لا يمكن أن تتكامل الحياة السليمة به، أما الميزان الذي يجمع بين النظرة المادّية والروحيّة للإنسان فإنّه هو الذي يمكن أن يخلق السعادة الحقيقيّة للإنسان، ومن هذا المنطلق فقط يمكن أن تتحقق الإيجابيّة للنظام الذي يحكم العلاقات البشريّة، وهذا بلا شك لم يتحقق إلا في النظام الإسلامي الرشيد.
إن ما سنستعرضه في هذا الجانب للديمقراطيّة لن نلمس منه شيئا في واقع العالم، ولم نجده إلا في حيّز ونطاق ضيّق، ولخدمة من تبنّى هذا المبدأ، والذي يبتغي منه كما نرى في واقعنا إسعاد العالم الغربي على حساب تعاسة العالم الآخر، وكثير من هذا الجانب يتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلاميّة، إلا أن المشكلة تكمن في نقطة انطلاقه، وأساس قيامه.
إن الممارسة الديمقراطيّة تهدف إلى احترام الإنسان وتقييمه موضوعيّا مهما كان الاختلاف حول وجهات النظر، وهي ممارسة بطبيعتها تقوم على القانون، والإقناع، والمنطق الإنساني الشامل، وهذه العناصر مضادّة بطبيعتها للغرائز الحيوانيّة التي تتحكّم في الكيان البيولوجي للإنسان، حيث تصعب الممارسة الديمقراطيّة في ظل تزايد طغيان تلك الغرائز.
إن جوهر الممارسة الديمقراطيّة يكمن في الحريّة التي يختار بها المواطنون حكّامهم، والحريّة أيضا في الرقابة الدائمة عليهم في أثناء ممارسة السلطة، وهذا الكيان الإنساني الراقي الذي يتحقّق للمواطن في ظل الممارسة الديمقراطيّة يتمثّل في تساويه مع باقي المواطنين أمام القانون [1] . (23)
ويتمثّل جوهر الديمقراطيّة أيضا في كفالة الحريّة للمواطن بما لا يتعارض وحرّية الآخرين، والتأكيد على سيادة القانون التي تجعل الفرد يحس بكرامته، وإنسانيّته، واطمئنانه إلى التعبير عن نفسه بحرّية دون خوف أو بطش، ولا شك أن الإحساس بالمساواة والعدالة يدفع المواطنين إلى التفاني في خدمة الأمّة، والتضحية في سبيلها.
(1) د. النحوي - عدنان علي رضا، الشورى لا الديمقراطيّة، مرجع سبق ذكره، ص 124.