وكما أن للديمقراطيّة جانبها المثالي المجرّد كذلك لها جانبها المادّي، فهي تعني توفير العمل والعيش الكريم للمواطن، كما أنّها تدرّبه على تحمّل المسئوليّة، والمشاركة في الحكم، وبذلك تذوب الحدود بين الحاكم والمحكوم، ويتحوّل الوطن كلّه إلى أسرة متحابّة.
يقول الرئيس المصري السابق أنور السادات: (إن الديمقراطيّة الحقيقيّة هي أن يكون لكل فرد منّا في هذا الوطن: للفلاح، وللعامل، وللموظّف، وللطالب، ولكل إنسان متعلّم وغير متعلّم الحق الكامل في أن يبدي رأيه في حرّية وصراحة، ولا يخشى من إبداء رأيه أية سلطة في هذا البلد ... نحن نؤمن بأن الديمقراطيّة هي أن يسمح لكل مواطن مهما كان وضعه الاجتماعي بأن يعبّر عما يحس به من حرّية) [1] . (24)
هذه هي المعاني المثاليّة والسامية للديمقراطية، وإنّها وإن كانت بعيدة عن أرض الواقع إلا أننا نتّفق في أنّها تتشابه في بعض جوانبها مع المعايير الإسلاميّة، ولكنّها تختلف كما ذكرنا سابقا في مصدرها، وأساس قيامها، وكما بيّنا سابقا بأن الأمور العظمى في الدولة لا يمكن أن تحكم بأخذ الرأي من الجميع، بل هناك صفوة للمجتمع ينبغي أن يقوم عليهم مستقبل المجتمع وازدهاره.
إن أساس الخلط الذي جعل العالم الإسلامي يلهث وراء هذه الديمقراطية هو ضعف اتصاله بمعالم الفكر الإسلامي، وضعف التأصيل الشرعي في الذات المسلمة، ونحن لا نختلف في الأخذ والإفادة من هذه المعاني المثاليّة، ولكن لا بد أن لا نخرج عن الإطار الشرعي الإلهي الذي يتحتّم علينا أن ننطلق منه، وهو بحق المعيار الذي تقوم عليه الإفادة من التجارب العالميّة، وبدون اعتمادنا على هذا الضابط فإننا سنبقى نعاني من ويلات الجوانب السلبيّة لهذا النظام، وما دامت هذه المعالم وهذه المبادئ متأصّلة في ديننا وتعاليمنا الإسلاميّة، فإن هذا كفيل بأن نوجّه أنظارنا إليها فيه، ولا يعني ذلك أن نعرض عما في الديمقراطية الغربيّة، بل لا بد علينا أن نستفيد مما في هذه التجربة بما لا يؤثّر على نظامنا وصورته، ومنهجنا وأيديولوجيّته.
ونحن بصفتنا أفرادا نعيش في الوطن العربي نعيش واقع المثاليّة هذا ممن يدّعي تبنّي الفكرة الديمقراطيّة، ونسمع في الكلمة التي يلقيها زعمائنا في كل عيد وطني كفالة العيش الكريم
(1) نبيل راغب، أنور السادات ... رائد التأصيل الفكري، دار المعارف بمصر، القاهرة، ص 121.