عليه العالم في الإفادة من الغرب، وتبنّي الوسائل الحديثة: (يستطيع المسلمون اليوم أن يفيدوا من الغرب في مواطن كثيرة، وبخاصّة في مجال العلوم والفنون الصناعيّة، ذلك أن اكتساب الأفكار والأساليب العلميّة ليس في الحق(تقليدا) ، وبالتأكيد ليس في حالة قوم دينهم يأمرهم بطلب العلم حيثما يمكن أن يوجد.
إن العلم لا غربي ولا شرقي؛ وذلك لأن الاكتشافات العلميّة ليست إلا حلقات في سلسلة لا نهاية لها من الجهد العقلي الذي يضم الجنس البشري بكامله، وإن كل عالم يبنى على الأسس التي يقدّمها له أسلافه، سواء أكانوا من بني أمّته، أو من أبناء أمم أخرى، وعمليّة البناء، والإصلاح، والتحسين هذه تستمر وتستمر، من إنسان إلى إنسان، ومن عصر إلى عصر، ومن مدينة إلى مدينة، بحيث أن ما يحقّقه عصر معيّن، أو مدينة معيّنة من أعمال جليلة لا يمكن أن يقال أنّها تخص ذلك العصر أو تلك المدينة).
ثم يستطرد قائلا:(إن كل الأعمال العلميّة العظيمة هي ملك مشترك بين الجنس البشري كلّه، والمسلمين إذا تبنّوا - كما هو من واجبهم أن يفعلوا - الطريق والوسائل الحديثة في العلوم والفنون الصناعيّة، فإنّهم بذلك لا يفعلون أكثر من اتباعهم لغريزة التطوّر والارتقاء التي تجعل الناس يفيدون من خبرات غيرهم، ولكنّهم إذا تبنّوا - وهم في غير حاجة إلى أن يفعلوا ذلك - أشكال الحياة الغربيّة، والآداب، والمفاهيم الاجتماعيّة الغربيّة فإنّهم لن يفيدوا من ذلك شيئا؛ وذلك لأن الغرب لا يستطيع أن يقدّم لهم في هذا المضمار ما يكون أفضل وأسمى مما قدّمته لهم ثقافتهم نفسها، ومما يدلّهم عليه دينهم نفسه.
ولو أن المسلمين احتفظوا برباطة جأشهم، وارتضوا الرقي وسيلة لا غاية في ذاتها لما استطاعوا أن يحتفظوا بحرّيتهم الباطنيّة فحسب، بل ربّما استطاعوا أيضا أن يعطوا إنسان الغرب سر طلاوة الحياة الضائع) [1] . (10)
إن من الضروري بمكان العمل على وضع الآليّات والموازين الكفيلة بخلق مجال أوسع وأرحب للإفادة من التجارب العالميّة وتوسيع آفاقها، ومن هذا المنطلق لا بد من إيجاد
(1) الندوي - أبو الحسن علي الحسني، الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية، مرجع سبق ذكره، ص 228.