من استقراء الوقائع السابقة أن الصحابة من شدّة أدبهم كانوا يسألون رسول الله (?) قبل أن يدلوا برأيهم ما إن كان في المسألة وحي ليمتنعوا، أو غير ذلك ليبدوا رأيهم، وما إن يخبرهم بأن الأمر محل اجتهاد حتى يخرج كل واحد منهم ما في جعبته حول الموضوع وفق الزاوية التي ينظر منها.
ولم يكن رسول الله (?) فيما يشاور فيه من أمور لم يرد فيها وحي من عند الله سبحانه وتعالى إلا ملزما بالرأي الذي يستقر عليه، ويؤكّد على ذلك ما ذكرناه سابق في تفسير رسول الله (?) للعزم في قوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [1] . (28) بأنّه مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم، وقد ثبت عنه (?) قوله لأبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) : (( لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما ) ).
وإن دراسة متأنّية لمجموع الحالات التي استشار الرسول (?) فيها أصحابه إضافة إلى المعنى الذي ترجّح في تفسير معنى العزم في الآية السابقة، يوصلنا إلى أن الرسول الكريم (?) كان يأخذ بما يستقر عليه رأي الأغلبيّة من أهل الشورى، وكأنه يريد بالتزامه بذلك أن يعزّز مبدأ الشورى كضرورة تقوم عليها الأّمّة الإسلاميّة [2] . (29)
المبحث الثاني
الشورى في عهد الخلفاء الراشدين
لم تكن نهاية الشورى بانتقال المصطفى (?) إلى الرفيق الأعلى مفعّلة فحسب، بل امتدّت بعد وفاته إلى الجيل الذي ربّاه على الكتاب والسنّة، فأصبحت واقعا في دولة الخلافة الراشدة، وازدادت نموا بازدياد الحاجة إليها، وقد كانت الحاجة إليها في عهد الخلفاء الراشدين بعد انقطاع الوحي هي حاجة لضمان الاقتراب قدر الإمكان من الحق والصواب، وقد زادت ضرورتها، واشتد إلحاحها حتى أصبحت الفلسفة المتبعة والنهج
(1) آل عمران 159.
(2) د. هاشم يحيى الملاح، مكانة الشورى في سياسة وإدارة الدولة الإسلامية في عهد الرسول (?) ، مرجع سبق ذكره، ص 28.