ويتّضح لي من خلال هذه القراءة المتأنّية لهذا العصر الذهبي بأن اختلاف الآليات التي ارتكز عليها كل واحد منهم كانت على حسب المتغيرات التي عاصرها في زمانه، فالرسول (- صلى الله عليه وسلم -) كان يستعين بمن ذكرناهم؛ وذلك لأنّ الدولة الإسلاميّة في عهده كانت في طور التأسيس؛ ومن هنا كانت الاستعانة بأكثر الناس بذلا للدين، أمّا سيّدنا أبو بكر الصدّيق (- رضي الله عنه -) فقد قصر الشورى على أهل المدينة؛ وذلك لأنّ تمكّن الإسلام من القلوب لم يكن إلا فيها بعد أن ارتدّت القبائل وامتنعت عن الزكاة، وبالنسبة لسيّدنا عمر فقد كان يعيش طور البناء؛ لذلك تجد ما قام به تغلب عليه صفة البناء واعتماد أنظمة الدولة فيما يتّخذ، وقد أخذ بما يتناسب مع الطور الذي عاش فيه، وهو في رأيي من أفضل الأنظمة التي اتبعت في عهد الخلفاء الراشدين، بخلاف ما قام به سيّدنا عثمان (- رضي الله عنه -) الذي جعل أهل مشورته ومن يقوم بشئون الدولة من أهله وأقربائه - وإن كان له في ذلك رأي استنادا إلى أن الأقربين أولى بالمعروف -، إلا أن ذلك أدّي إلى إهمال أهل الرأي الآخرين في الأمّة وانحصار الرأي في فئة معيّنة، وهذا ما أدّى إلى اشتعال الفتن في عصره.
أما الإمام علي (- رضي الله عنه -) فإن ما قام به من إهمال لأهل الرأي والمشورة، وأخذه بما يقوله العامّة الذين قد يكون فيهم من هو غير متأهّل لإبداء الرأي كما هو الحال اليوم في ما تتعرّض له الديمقراطيّة المباشرة من سلبيّات، فإن هذه الوسيلة غير مجدية وإن كان فيها إشراك للجميع فيما يهم الأمّة من أمور، ولذلك فإن الذي يستعين بالجمهور لإبداء رأيه فيما يتعلّق بالأمّة من أمور فإن الرأي هنا وإن كان قد خرج عن إجماع، إلا أن هذا الإجماع غير متأهّل ككل لطلب الرأي فضلا عن إبداءه.