فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 178

إعادتها منظّمة من خلال مؤسّسات متخصّصة قد غاب تماما عن ساحة الفكر، ومحاولات التطبيق، بدليل أن هناك تجربة لعمر بن عبد العزيز (رحمه الله) عندما ولي أمر المدينة قبل تولّيه الخلافة، شرع فيها بتكوين مجلس محلي للشورى تعلو سلطته سلطة الوالي .. وقد أورد خبر ذلك ابن سعد في طبقاته فقال: (لما قدم عمر بن عبد العزيز المدينة واليا عليها كتب حاجبه إلى الناس فدخلوا عليه وسلمّوا عليه، فلمّا صلّى الظهر دعا عشرة نفر من فقهاء البلد وأخبرهم بأنّه قد دعاهم لأمر يؤجرون عليه، ويكونون فيه أعوانا له على الحق وقال لهم:(ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدا يتعدّى، أو بلغكم عن عامل ظلامة فاحرج بالله على أحد بلغه ذلك إلا أبلغني) [1] . (33)

{المراحل التي مر بها مفهوم الشورى بعد عهد الخلفاء الراشدين حتى يومنا هذا}

إذا أردنا أن نستعرض عبر السطور القادمة مسألة الشورى بين النص والتجربة التاريخيّة للأمّة، وسبب تناولنا لهذا الموضوع إنّما هو للوقوف ومراقبة جدليّات العلاقة بين النص والتاريخ في تجربة أمّتنا، بالإضافة إلى إيضاح خصوصيّة مجالنا الثقافي التاريخي والراهن طرحا للمسائل، وإدراكا لها، وتعاملا معها.

-المرحلة الأولى: ما إن انتهى عهد الخلفاء الراشدين حتى بدأت مرحلة جديدة للأخذ بمفهوم الشورى بطريقة مغايرة عن طريقة الخلفاء الراشدين، فقد أصبح تقلّد منصب الخلافة دون استشارة لمشيخة قريش، والأهم من ذلك في تطوّر مفهوم الشورى ما حصل من اتساع فيما جرى من لغط حول خلافة ابن الزبير الذي ثار على يزيد بن معاوية بعد استشهاد الحسين، واعتصم بمكّة داعيا لإعادة الأمر شورى، فلمّا مات يزيد دعا الناس لبيعته دونما انتظار لترشيح من أولئك الذين نصروه وقاتلوا معه يزيد وجيوشه، وقد قال أبو جرّة لابن الزبير: ألهذا نصرناك ... إنّما كنت تدعو إلى الرضا والشورى، أفلا صبرت

(1) د. محمد عمارة، الإسلام وفلسفة الحكم، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1409 هـ - 1989 م، ص 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت