وشاورت فنختارك ونبايعك.
إن الجديد في الأمر هنا أن المولي - أي غير العرب من المسلمين - رأوا هنا للمرّة الأولى أن من حقّهم المشاركة في اختيار من يلي أمور المسلمين باسم الشورى، فما عاد الأمر مقصورا على أهل الوجاهة من قريش في الاختيار والولاية معا.
وعند هذا الحد تنتهي قصّة الشورى في القرن الأوّل باعتبارها موضوعا من موضوعات الصراع السياسي، وتدخل في أفق الجدل السياسي، فما ثار ثائر على الأمويّين إلا ودعا لإعادة الأمر شورى، بل إن بعض أفراد الأسرة الأمويّة من الثوّار وجدوا من المناسب اجتذابا للناس أن يدعوا لإعادة الأمر شورى، حتى إذا وصلوا إلى السلطة انفردوا بها، ونسوا دعواته السابقة، بل وعيّنوا ولاة للعهد بعدهم.
-المرحلة الثانية: وفي مطالع القرن الثالث الهجري ذهب الفقهاء والمتكلّمون إلى أن العقل غريزة، وليس جوهرا فردا، وأهمّية هذه المقولة متأتية من الاتفاق على أن العقل هو مناط التكليف الدنيوي، والتدبير السياسي، وهكذا فإن العقل هو السلطة أو مناطها، فإذا كان جوهرا فردا فهو صادر عن العقل الفعّال ... أي أنّه إلهي الأصل، ولا شأن له بالعقل العملي الذي يدبّر به الإنسان أمور حياته اليوميّة والذي يتساوى فيه الناس.
إن الجوهر الفرد الذي تكمن فيه السلطة خاص بأناس مخصوصين، أو نخبة مختارة، مقدّر لها وعليها أن تدبّر أمور المدينة والمجتمع، ومن هنا فإن السلطة السياسيّة عند أصحاب هذا الرأي حيلة (قوّة أو خاصّية) وسعادة، وعلى الناس الخضوع لها من أجل قودهم إلى السعادة، أما القائلون بغريزيّة العقل، فإنّهم يقولون بأن الإنسان مصدره، وأن الناس متساوون فيه، وما دام العقل سلطة، فإنّها شائعة فيهم لا يتفاضلون في أصلها، ومعنى هذا على المستوى السياسي أن الأمّة أو الجماعة تشيع فيها السلطة بالتوازي مع شيوع العقل في أفرادها، وهذه الفكرة هي التأصيل الفكري والفقهي لمسألة تعاقديّة السلطة التي أعتبرها أكثريّة الفقهاء والمتكلّمين أنّها مقتضى الشورى، أو مقتضى ولاية الأمّة على نفسها بسبب شيوع السلطة فيها.
كان هذا أقصى ما وصلت إليه التجربة التاريخيّة للأمّة في تفاعلها في اجتماعها المفتوح مع النص في التاريخ، لكن للتجربة التاريخيّة والثقافيّة وجوها أخرى لا يمكن تجاهلها في