فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 178

ودرء المفاسد، ولم تأت الشريعة الإسلاميّة إلا لتحقيق ذلك؛ وذلك لأن الإسلام في جوهره يهدف إلى العمل على ما يحقّق أفضل المصالح والمكتسبات للمسلمين على وجه الخصوص، ولغيرهم على وجه العموم.

وأرى بأن المقام ليس هو أن نجعل الشورى على سبيل الوجوب فيأثم إمام المسلمين إذا لم يأخذ بها، أو أن نجعلها على سبيل الندب فيكون أخذ الإمام بها من باب المستحسن، وما نود أن نتوجّه إليه في الرأي هو أن نعلم بأن ما تتحقق فيه المصلحة بشكل أكبر هو الذي ينبغي لنا أن نجعله منهجا للمسلمين، وفي ذلك تحقيق لجوهر الإسلام ومقصده.

ولا شك أن جميع العقلاء يتّفقون على أن الرأي إذا كان محلا للتشاور وتبادل الآراء أقرب إلى الصواب بحكم أن الأفكار حوله تتلاقح لتنتج الفكر المنظور من عدّة زوايا في هذه الوسيلة مما لو استبد به المرء، ومن هنا نستطيع أن نؤكّد بأن الرجاحة والوجاهة في الرأي تتحقّق في الحالة الأولى أكثر من الثانية، ويكفينا دليلا على استحسان هذا الأسلوب الذي يتعيّن على الأمّة أن تؤخذ به أنّه ذكر في القرآن الكريم، وأن صاحب الوحي (?) كان كثير المشورة لأصحابه، وبغض النظر عن حكم الشورى، فإن تحقق المصلحة الأحسن فيها هو ما يستلزم أن يأخذ بها المسلمون في ما يتحدّد به مصير الأمّة من أمور وقضايا.

أما ما يتعلّق بوضع الشورى كمحصّلة وهو ما تناولناه في هذا المبحث، فإن الأمر بعد تبادل الآراء في الموضوع محل التشاور إذا كان رهن موافقة الحاكم فما هي فائدة إقرار هذا المبدأ، وكما بيّنا سابقا بأن الأخذ بمبدأ الشورى هو الذي يحقق المصلحة الأفضل في وصول الأمّة إلى رأي حول الموضوع محل التشاور، واعتقد بأنّه لو كان الأمر للحاكم بعد أن تتلاقح أفكار أهل الحل والعقد ويبذلون الجهد الجهيد في التوصّل إلى الرأي الأكمل، فلا أرى أن هذا الأسلوب إذا اتخذ فستصبح فيه المصلحة، بل أرى أن التزام الحاكم بما وصل له أهل الحل والعقد هو ما ينبغي أن يكون؛ وذلك لأن تحقّق سداد الرأي ورجاحته بالتزام الحاكم برأي أهل الحل والعقد أكثر مما لو كان ذلك وفق ما يرى من الأخذ برأيهم من عدمه.

يقول الشيخ محمّد عبده (رحمه الله) : (فما معنى الشورى؟، ولماذا أمرنا الله بها إذا كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت