الشريعة الإسلامية لكان أحد بحوث الفقهاء، ولحدد نصاب الشورى في الفقه، ولوضعت قوانينه ونظمه كما هي بقية بحوث الفقه.
-الرأي الثاني، والذي يرى بأن الشورى ملزمة: وهذا الرأي يقول بأن الإمام ملزم برأي الأغلبية، ويجب عليه تنفيذ ما اتفقوا وأجمعوا عليه، ولا يجوز له أن يخالف جمهورهم ولذلك يقولون بأن الشورى ملزمة للإمام لا معلمة له.
ولنأت الآن إلى نقاش أصحاب الرأي الثاني وهم القائلون بأن الشريعة الإسلامية توجب على الإمام الشورى، وتوجب عليه أيضًا الرضوخ لرأي جمهورهم والحكم مطلقًا بالرأي الذي يجمعون عليه وتتلخص حجّتهم في الأدلة الآتية:
1.من القرآن الكريم: قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [1] . (20) ، فالعزم هنا هو الأخذ برأي الأغلبيّة، أو هو دال على الأخذ برأي الأكثريّة، ويؤيّد هذا أن الرسول (?) فسّر عمليّا مضمون العزم باستشاراته الكثيرة للصحابة (- رضي الله عنهم -) ونزوله على رأيهم، وخاصّة في غزوة أحد التي نزلت في أعقابها هذه الآية، فكأن الآية تقول: (دم على استشارة أصحابك، ودم على أخذ رأيهم، ولا تكونن هذه النتيجة الخاطئة، وهي هزيمة أحد مانعة لك من الأخذ بالمبدأ مستقبلا) .
2.أما دليل هذا الفريق من السنّة النبويّة: فهو قول النبي (?) في الحديث المروي عن الإمام علي (كرّم الله وجهه) قال: (سئل رسول الله(?) عن العزم فقال: مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم)، ووجه الدلالة من هذا الحديث الشريف هي أن رسول الله (?) قد فسّر كلمة العزم بأنّها مشاورة أهل الرأي، ثم الأخذ بما ينتهون إليه [2] . (21)
أمّا السنّة العملية فلم يثبت أن النبي (?) شاور أصحابه وأعرض عن رأي الغالبيّة، فهناك وقائع كثيرة تدل على أن رسول الله (?) نزل عن رأيه لرأي جمهور أصحابه، بل انعدم الورود لأي حادثة واحدة تدل على أن الرسول (?) تمسّك برأيه في أمر شاور فيه، وكذلك كانت سنة خلفائه الراشدين إنهم ما تمسكوا بآرائهم في وجه الشورى قط، بل
(1) آل عمران 159.
(2) د. الأنصاري - عبد الحميد إسماعيل الأنصاري، الشورى وأثرها في الديمقراطية (دراسة مقارنة) ، دار الفكر العربي، القاهرة، جمهوريّة مصر العربيّة، 1416 هـ - 1996 م، ص 191.