وأعتقد أن هناك تضاربا بين التحذير في المقام الأوّل من الديمقراطيّة على لسان الشيخ، وما ينجم عنها من بلايا، ثم الحث على ضرورة الالتزام بالاقتباس منها، وليس هذا فحسب، بل واقتباس العدل، والشورى، واحترام حقوق الإنسان منها، وكأنّما الإسلام يخلوا من هذه الحقائق حتى نتّجه فيها إلى غيرنا، والعجب كل العجب هو أن يكون نظام الشورى المتأصّل في النظام الإسلامي المتكامل، نتيجه لاقتباسه من الديمقراطيّة التي ثبت فشلها وخيبتها.
وهناك مفكّر إسلامي آخر هو مالك بن نبي ألقى محاضرة في نادي الطلبة المغاربة عام 1960 م بعنوان (هل في الإسلام ديمقراطيّة؟) ، والتي انتقد فيها النموذج العلماني من الديمقراطيّة لما فيها من سلبيّات، إلى أن انتهى إلى أن الإسلام بمعارضته للاستبداد فإنّه ينمّي الشعور الديمقراطي، وانتهى بعد ذلك إلى إمكانيّة التوصّل إلى نظام ديمقراطي إسلامي يجمع محاسن الديمقراطيّة، ويتجنّب مثالب العلمانيّة.
ثم يخلص بن نبي بعد ذلك إلى أن في الإسلام ديمقراطيّة، وإنّي أعجب من هذا القول، ألم يرجع بن نبي إلى الأصول التاريخيّة لكلمة الديمقراطيّة، وأن معناها حكم الشعب كما ذكرنا سابقا، وأن معنى ذلك هو أن الشعب هو الذي يحكم نفسه بنفسه، وهو الذي يضع القوانين اللازمة لمختلف جوانب حياته، وأن هذه الفلسفة ليست من الإسلام في شيء، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي شرع لنا أحكاما تسيّر حياتنا ولا تتغير بتغيّر الأزمان، ولا الأشخاص، ولا البيئات، ولا يمكن أن تكون محلا للأخذ والرد، وحتى الأمور الاجتهاديّة لا بد أن لا تخرج عن المبادئ العامّة في الإسلام حال التشاور حولها، والغريب من ذلك أن يحصل التناول للديمقراطيّة وكأنّها هي النظام الوحيد الذي لا ثاني له لتطبيقه على الحياة البشريّة ونظامها.
حتى أن الشيخ راشد الغنوشي يقول معللا الرفض للديمقراطيّة، وأنّه لا بد أن نستفيد من التجارب العالمية إذا توافقت مع العقل والتجربة: (ولعل من أسباب رفض البعض للديمقراطيّة أننا ورثنا الاستبداد كابر عن كابر لزمن طويل، فدولة الشورى غابت منذ القرن الأوّل، وابتلينا بالتقليد) .
ثم يستطرد قائلا: (لقد كان الاستبداد السياسي السبب الأساسي في انهيار حضارتنا، وما