صلة بالعرب اعتنقت حضارتهم ولو حينا من الزمن).
ثم يستطرد قائلا: (ولا يمكن إدراك أهمية شأن العرب في الغرب إلا بتصوّر حال أوربا حينما أدخل العرب الحضارة إليها) .
{الصراع الأيديولوجي ... نقطة تحوّل وأفول لنجم ساطع}
ثم دار الزمان، وتزعزعت الأركان، وأخذ نجم الحضارة في الأفول لتحل محلها حضارة جديدة، بروح جديدة تختلف في فلسفتها وتوظيفها للعلم عن الحضارة الإسلامية، واستطاعت أوربا أن تفرض سلطانها الثقافي، ومفاهيمها الحضارية على المؤسسات الثقافية في مختلف البلاد، فأخذت المفاهيم الأوربية في الفلسفة، والاجتماع، والتاريخ، والاقتصاد، والقانون، وعلم النفس، والتربية تحل محل المفاهيم الإسلامية التي كانت سائدة في هذه البلاد، وأرادت أوربا بعد ذلك أن تجعل مفاهيمها ذات الصبغة المحلية ذات صبغة عالمية تذعن لها عقول البشر بمنطق فوقي استعلائي متكبّر، وذلك بلجوئها إلى أساليب رخيصة لفرض هيمنتها الثقافية، وقد نتج عن ذلك تحوّل كبير في لغة الحوار بين مختلف العقول البشرية [1] . (7)
وهكذا تلاشت تدريجيا مراكز الحضارة الإسلامية، واتجهت الأمة إلى الانحدار حتى سقط كيانها سقوطا هائلا أمام الاستعمار الغربي ... فتمكّن منه، وقبض على زمام قيادة الحياة فيه، فوجّهها الوجهة التي تخدم بقاءه ومصالحه عن طريق تحويل الأمة عن عقيدتها، وأصالتها، وشخصيتها المستقلة، وعن طريق تمزيقها ووضع العراقيل الكثيرة أمام تقدّمها، والحيلولة بينها وبين النهضة الصحيحة، ثم إقامة الحضارة المهتدية بهداية النور الإلهي.
ولقد أدى الغزو الاستعماري الفكري والعسكري إلى ضعف الإيمان، وقلة الثقافة، والجهل باستغلال سنن الله في الوجود، والانحطاط الحضاري العام، بحيث تزعزعت الأرض الإسلامية الصلبة من تحت أقدام الشعوب الإسلامية برمّتها، فواجهت الحضارة الحديثة مواجهة الضعيف الحائر الخاسر في المعركة، وفقدت أصالتها في الحياة، وحرّيتها في الاختيار والمسؤولية، بحيث نتج عن ذلك موقفا حضاريا منهزما ومستسلما استسلامًا فظيعًا، فسقطت الأمة منذ القرن التاسع عشر عسكريًا، وسياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا
(1) د. الجليند - محمد السيد، مقال بعنوان: حوار الحضارات بين الإسلام والغرب، مرجع سبق ذكره، ص 59.