الأرض يبلّغون الأمم دعوة الإسلام، ويقتبسون ما صادفوه من العلوم والصناعات التي لديها، وأخذوا يتدارسونها ويتقنونها، ودفعهم حب التكمّل إلى البحث عن نصوصها في مصادرها المكتوبة، فلم يقوموا بحرق أي شيء مما صادفوه في البلاد التي افتتحوها من الكتب العلمية كما كان يفعل غيرهم من الفاتحين، ولكنّهم كانوا يستولون فيها على أمّهات الكتب العلمية، ثم يستأجرون العارفين بلغتها لكي يترجموها ترجمة حرفية، وبعد ذلك ينكبّون على دراستها وتطبيقها، وقد ساعدهم على ذلك ملوكهم وأمرائهم وأثريائهم حتى انتقلت إليهم الخلافة العلمية بعد اليونانيين والرومانيين، وأصبحت جامعاتهم محط رحال مريدي الاستفادة من جميع الأمم، بل وزادوا في مواد العلوم مما اكتشفوه في الطب، والكيمياء، والرياضيات وغيرها).
ويقول العلامة دريبر: (إن اشتغال المسلمين بالعلم يتّصل بأوّل عهدهم باحتلال الإسكندرية سنة 638 م، أي بعد موت محمد بست سنين، ولم يمض عليهم بعد ذلك قرنان حتى استأنسوا بجميع الكتب العلمية اليونانية، ولما آلت الخلافة إلى المأمون سنة 813 م، صارت بغداد العاصمة العلمية العظمى في الأرض، فجمع إليها الخليفة كتبا لا تحصى، وقرّب إليها العلماء، وبالغ في الحفاوة بهم) .
وبعد أن عدّد مآثرهم في العلوم الطبيعية قال: (لو أردنا أن نستقصي كل آثار هذه الحركة العلمية العظمى لخرجنا عن حدود هذا الكتاب، فإنهم قد رقّوا العلوم القديمة ترقية كبيرة جدا، وأوجدوا علوما جديدة لم تكن معروفة قبلهم) .
ويقول في مواطن أخرى: (إن جامعات المسلمين كانت مفتوحة للطلبة الأوربيين الذين نزحوا إليها من بلادهم لطلب العلم، وكان ملوك أوربا وأمرائها يفدون على بلاد المسلمين ليعالجوا فيها) .
ويقول العلامة سديو في كتابه (تاريخ العرب) : (كان المسلون في القرون الوسطى متفرّدين في العلم، والفلسفة، والفنون، وقد نشروها أينما حلّت أقدامهم، وتسرّبت عنهم إلى أوربا، فكانوا هم سببا لنهضتها وارتقائها) .
ويقول العلامة الاجتماعي الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب) : (ولا نرى في التاريخ أمة ذات تأثير بارز كالعرب، فجميع الأمم التي كانت ذات