فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 178

حضارة المسلمين في أسبانيا، وفي بلاد فارس، وفي الهند شرقا خير دليل على ذلك.

ولقد تجلّت روح هذه الحضارة في أمرين مهمّين جدا يتّصل كل منهما بالإفادة من الآخر في منهجه، وأهدافه، ومقاصده:

الأمر الأول: الروح الإسلامية العامة التي تبنّاها الفكر الإسلامي ودعا إليها في فلسفته للعلوم العلمية التي نقلها العرب عن الغير، وفي تحليلهم لهذه العلوم وتفسيرهم للعلاقات المتبادلة بين الأسباب والمسببات، وثبات هذه العلاقة عندهم واطّرادها لم يمنعهم من الإيمان بأن الأسباب ليست فاعلة بذاتها، إنما هي فاعلة وفق ما يجريه الله سبحانه وتعالى، وقد منح الله هذه الأسباب ثباتا في قوة التأثير؛ ليستقر نظام العالم وتكون له صفة الثبات والاطراد.

الأمر الثاني: الذي تميّزت به لغة الإفادة ... هو حسن توظيف المسلمين للعلم ونتائجه، والإفادة من معطياته، وتسخيرها لخدمة الإنسان، وتأمين حاضره ومستقبله؛ وذلك لأن قضية استخلاف الإنسان في الأرض يرتبط بها مباشرة حسن تسخيره للكون، واكتشاف قوانينه، والعمل على عمارته.

ولقد ترتب على سيادة هذه الروح العامة، وسيطرتها على لغة الحوار مع الآخر في فلسفة العلم، وفي حسن توظيفه أن نعمت البلاد التي فتحها المسلمون شرقا وغربا بهذا الوافد الجديد، ولقد ظلّت الحضارة الإسلامية تظلّل العالم بروحها المؤمنة قرونا طويلة حفرت خلالها خصائص هذه الحضارة بأحرف من نور في شتّى بقاع العالم التي حلّت فيها، ونشرت في هذه البلاد قيما ومعاني نعم بها أهلها فترة طويلة من الزمن، فعرفوا التسامح والعدل والإنصاف بعد أن شقوا أزمانا طويلة في ظلم، وتعصّب، وطغيان [1] . (5)

يقول الأستاذ عفيف عبد الفتاح طباره مبينا الصورة العامة للتبادل الحضاري والفكري مع الآخر خلال هذه الفترة الذهبية، وذلك وفق ما جاء على لسان بعض المؤرّخين الغربيين: (لقد ثبت تاريخيا ... وبشهادة المؤرّخين الغربيين أن المسلمين الأوّلين انتشروا في

(1) د. الجليند - محمد السيد، مقال بعنوان: حوار الحضارات بين الإسلام والغرب، والذي نشر في مجلة الهداية الصادرة من وزارة الشئون الإسلاميّة بمملكة البحرين، العدد 245، السنة 21، رجب 1418 هـ- نوفمبر 1997 م، ص 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت