العربية، وأن هذه الحركة لم يشهد لها التاريخ مثيلا، وكان ذلك إعمالا للمبدأ الشرعي (الحكمة ضالّة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحق بها) ، ولقد كانت استجابة العقلية المسلمة للمترجمات مختلفة ومتنوّعة، فما كان منها خاضعا للمبدأ السابق قبلوه وانتفعوا به وحمدوا صاحبه، وما كان منها شاذّا عنه رفضوه وحذّروا منه، وبعد ذلك نجد النبوغ فيهم في مختلف هذه العلوم التي ترجموها، كالهندسة، والطب، والكيمياء وغيرها، كابن الهيثم، وابن النفيس، والرازي وغيرهم.
أما العلوم الأخرى فقد تحفّظ المسلمون في قبولها؛ وذلك لأن الباطل فيها يتجاوز الحق، وقد صرّح بذلك حجة الإسلام الإمام الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) ، لذلك نجد المسلمين يحذّرون من الكثير منها، وموقفهم هذا يهمّنا ونحن نعيش في عصر اختلطت فيه الأوراق، والتبست فيه المفاهيم على العقول، فلم نفرّق بين الأبيض والأسود عن قصد أو عن غير قصد، مما جعل المثقّف المعاصر يعيش حياته العصرية في دائرة عصرية لا يعرف من أين تبدأ ... وإلى أين تنتهي.
وإذا كان دور المسلمين واضح في إفادتهم من تجارب الآخر في شتى العلوم التكنولوجية، فإن دورهم في العلوم الحكمية الفلسفية لم يكن أقل من ذلك، بل كان عطاؤهم فيها واضحا.
ومن الجدير بالذكر أن ننبه هنا إلى أن التبادل الحضاري الذي امتد عبر قرون كثيرة بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات الأخرى كان يتميّز بالندّية في الأخذ والعطاء، ومن المعلوم أن الحضارة الإسلامية في هذه المرحلة كانت هي الأقوى، ولكنّها لم تسمح في حوارها مع الغير أن تكون لغتها فوقية استعلائية بحيث تشعر الآخر بالدونية كما هو حاصل الآن من الحضارة الغربية، وكما هو شأن الداعين إلى تبنّيها والنسج على منوالها.
كانت الحضارة الإسلامية إبان انتصاراتها تلتمس مواطن العلم النافع عن الغير، فتفيد منه، وتدعو إليه، وتبحث عن الفكرة الصحيحة لتتبناها وتتمثّلها في الحياة اليومية العملية، وقد تعيد إخراجها إلى الناس في ثوبها الإسلامي الجديد، وفي لغتها العربية الواضحة، وفي روح قرآنية متسامحة تعم بتسامحها البلاد التي خضعت لسلطانها ثقافيا وحضاريا، ولعل في