فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 178

وقد أدرك مفكّروا الإسلام الأوائل الهدف المقصود من هذه الحملة، فحشدوا لها جهدهم الفكري والعقلي، وقصدوا لها تفنيدا وإبطالا بالحجج والبراهين، وكان ذلك حفاظا منهم على بقاء العقيدة الإسلامية نقية سليمة من التشويش والتلبيس، وهم في سبيل ذلك لم يكتفوا في حوارهم مع الآخر بالوقوف عند حدود النص كتابا وسنّة، وإنما استعاروا من خصومهم نفس الأسلحة التي بارزوهم بها، فاستعملوا البرهان المنطقي، وقياس الطرد والعكس، وبرهان الخلف والإلزام، ولم يروا في ذلك جرحا ولا مذمة شرعية أو عقلية؛ لأن ذلك الحق في نفسه يصرف النظر عمن قاله أو نسب إليه، وما دام هو حقا في نفسه فلا ضرر عليهم في قبوله والتعامل به مع خصومهم، ووضعت في ذلك مؤلفات مستقلة تحمل عنوان الرد والإبطال، سواء كانت هذه الكتب ردا على المخالفين في الملة ككتاب (الرد على النصارى) ، وكتاب (إفحام اليهود) ، وكتاب (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح) ، أو حتى لو كانت ردا على الفرق الموافقين في الملة كالجهمية والمعطّلة، وكل هذه المؤلفات كانت تدعو إلى أمرين أساسيين هما:

-الدفاع عن العقيدة الإسلامية، والخوف عليها من التشويش والتشكيك.

-الحفاظ على الهوية الإسلامية من الذوبان والتلاشي.

وقد كان إصرارهم على هذين الأمرين عاملا مهما في الحفاظ على خصوصية الحضارة الإسلامية وهويتها.

وفي نطاق الفلسفة الإسلامية - خاصّة المشائية - نجد أن كبار مفكّريها قد تأثّروا بالفلسفات السابقة عليهم، فأخذوا من اليونانية والأفلوطونية الحديثة، واستعاروا من الغتوص المسيحي خاصة بعد عصر الترجمة من اليونانية والفارسية وأثناءها ... ومن الثابت تاريخيا أن الفارابي قد تعلّم في مدارس حرّان على يد إبراهيم القويري النصراني، وابن سينا لم يفهم أرسطو إلا من خلال الفارابي، وابن رشد عرف بالشاروح الأكبر لأرسطو .... ورغم هذا التأثر الواضح بالفلسفة اليونانية ومفاهيمها، إلا أنهم جميعا كانوا عربا يعتزّون بعروبتهم، مسلمون يدينون بالولاء والاعتزاز بإسلامهم، فهو مصدر الفخر الذي يعتزّون بالانتماء إليه.

لقد شهدت هذه الفترة أكبر حركة في النقل والترجمة من اليونانية والفارسية إلى اللغة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت