سريّة أو علنية أرادت زعزعة العقيدة، وتقويض أركان الكيان الثقافي، والاجتماعي، والسياسي للأمة، إلا أنها لم تستطع أن تتغلّب في النهاية بل كان الموت مصيرها المحتوم، وأصبحت خبرا من أخبار التاريخ.
وعندما يقول قائل: إن الانتصار الإسلامي العسكري الساحق على إمبراطوريات ذلك العصر كان السبب الأساسي في احتفاظ المسلمين بأصالتهم بعد أن أصبحوا سادة الدنيا يومئذ، إلا أن الغالب كما هو معلوم هو الذي يفرض كيانه على الأقوام المغلوبة، وليس للمغلوب إلا أن يقلّد الغالب.
نقول في جواب ذلك: إن انتصار المسلمين العسكري لم يكن السبب الأساسي في المحافظة على تلك الأصالة، بل إن إسلامهم ووضوح فكرهم وهدفهم هو السبب الرئيس في تلك الأصالة.
والدليل على ذلك أن الكيان السياسي والعسكري عندما انهار أمام التتار بسقوط بغداد في القرن السابع الهجري لم يؤثّر في شخصية الأمة، ولم يضيّع عليها عقيدتها وأصالتها، بل إن الغالب منهم لفراغه الحضاري ذاب في الكيان الإسلامي بعد مدّة قليلة جدا، وذلك بدخولهم الإسلام.
ذلك كان موقف أمتنا في الماضي أمام الحضارات العالمية والثقافات المجاورة، يوم أن كانت تنطلق من أرضها الصلبة الخصبة ... أرض السلام الخالد، ويوم كانت تستجيب لتعاليم الإسلام الحنيف) [1] . (4)
إن التحديات تتجدد أمام الموقف الإسلامي في كل عصر وأوان لكي تهشّم هذا البناء الشامخ وتزعزع موقفه، إلا أن الموقف الإسلامي ما يزال شامخا أمام جميع ما يعرض له من تحدّيات في مختلف العصور والأزمان، وها هو عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين قد ولّى، وتزايدت التحدّيات بعد أن تعددت الثقافات والحضارات التي انفتح عليها الفكر الإسلامي، إلا أنه صمد أمام تحدّيه، ووقف شامخا سنينا طوالا وهو يتحاور بلغة القوّة والإفحام لكل ما يثار حوله من شبه.
(1) د. محسن عبد الحميد، حركة التغيير الاجتماعي في القرآن، من سلسلة رسائل حقائق الإسلام التي تصدر عن وزارة العدل والشئون الإسلامية والأوقاف بالإمارات، ص 122.