فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 178

من أجل ذلك لم يتزعزع في القرون التي تلت عهد الرسالة أمام الحضارات العالمية التي جابهها، ولم يتضعضع كيانه، وإنما أخذ الخير منها، وطرح الشر الذي فيها، وإذا أخذنا مثلا الحضارة اليونانية، وكيف تحدّد موقف أسلافنا إزاءها، فإننا نجدهم قد أخذوا منها مختلف العلوم المتنوعة، من الطب، والفلك، والرياضيات، والهندسة، ولكنه لم يكتف بالأخذ الساذج لها، بل أسبغ عليها وضوحه، وأصالته، وأهدافه الواقعية، فحوّلها من علوم وصفية إلى علوم تجريبية حسّية، متفاعلة مع الحياة الماديّة، فأنار بها العالم لقرون طويلة 0

أما الفلسفة اليونانية فلم يكونوا بحاجة واقعية إليها، لكنّهم ترجموها مرغمين بعد أن شنّ اللاهوتيون وبعض المتفلسفة هجمات حاقدة على الإسلام من خلال منطق اليونان وفلسفتهم، فأراد علماء الإسلام أن يتسلّحوا بها للرد عليهم، وإبطال دعواهم بنفس أسلحتهم، ولكن هذه الفلسفة لما اجتازت طورها في الدفاع، وتحوّلت على أيدي أمثال الفارابي وابن سيناء وغيرهما إلى ترف عقلي، وانحراف فكري، وعبودية شخصية لفلسفة اليونان، رفض المجتمع الواضح العقيدة، الواضح الهدف ذلك، فكانت محاولة واحدة من حجة الإسلام الإمام الغزالي قضت على تلك الفلسفة الوثنية في المجتمع الإسلامي، ولم تقم لها بعد ذلك قائمة، ولا شك أن ذلك كان نتاج وضوح القواعد الفكرية في العالم الإسلامي، وأصالة العقلية المسلمة، فهما اللذان مكّنا الغزالي في أن يقوم بحركته التاريخية العظيمة في كتابه الخالد (تهافت الفلاسفة) .

وعندنا شاهد آخر قد يكون أوضح في الفهم من قضية الفلسفة، ألا وهو الأدب الوثني اليوناني، إذ نرى أن المسلمين لم يترجموا هذا النوع من الأدب؛ وذلك لأن الأمة الموحّدة ذات العقيدة الإسلامية الواضحة عن الكون كله لم تكن تحتاج إلى ذلك الأدب الوثني الهزيل رغم الصور الأدبية البارعة فيه، وأعتقد جازما بأنه حتى لو ترجم الأدب الوثني اليوناني، لما كان له أن يؤثّر على عقيدة القوم، ولا أن يزعزعها.

أما الحضارة الفارسية بعقيدتها المجوسية الثنوية فلم تستطع أن تنال من الحضارة الإسلامية الأصيلة إلا على نطاق محدود جدا، وبقيت الأمة محتفظة بأصالتها الحضارية وثقافتها الإسلامية، ولغتها العربية، وقيمها الأخلاقية الفاضلة.

وعلى الرغم من تحوّل اتجاهات منحرفة كثيرة في الحضارة الفارسية إلى حركات تآمرية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت