ومما قاله الأستاذ الإمام محمد عبده، فيما نقل عنه في تفسير المنار: (كل من باع أو اشترى مستعينا بايهام الآخر ما لا حقيقة له ولا صحة، بحيث لو عرف الخفايا وانقلب وهمه علما لما باع أو لما اشترى، فهو آكل لماله بالباطل.
ومن هؤلاء الموهِمين باعة التولات والتناجيس [1] والتمائم، وكذا العزائم وختمات القرآن، والعدد المعلوم من سورة (يس) أو بعض الأذكار، وقد بلغ من هزؤ هؤلاء بالدين أن كان بعض المشهورين منهم يبيع سورة (يس) لقضاء الحاجات أو لرحمة الأموات، يقرؤها مرات كثيرة، ويعقد لكل مرة عقدة في خيط يحمله، حتى إذا جاءه طالب ابتياع القراءة، وأخذ منه الثمن بعد المساومة، يحل له من تلك العقد، بقدر ما يطلب من العدد. قال الشيخ رشيد: ذكر هذه الواقعة الأستاذ الإمام في الدرس، وقد كنا نسمع عن رؤساء بعض النصاري نحو هذا في بيع العبادة التي يسمونها (القداديس) فنسخر منهم، حتى علمنا أننا قد اتبعنا سننهم شبرا بشبر حتى دخلنا في جحر الضب الذي دخلوه!
قال الأستاذ: إن كل أجر يؤخذ على عبادة فهو أكل لأموال الناس بالباطل، وقد مضى الصدر الأول ولم يكن أخذ الأجر على عبادة ما معروفا، ولا يوجد في كلام أهل القرن الأول والثاني كلمة تشعر بذلك، ثم لا يعقل أن تحقِّق العبادة وتحصل بالأجرة؛ لأن تحققها إنما يكون بالنية وإرادة وجه الله تعالى وابتغاء مرضاته بامتثال أمره، ومتى شاب هذه النية شائبة من حظ الدنيا خرج العمل عن كونه عبادة خالصة لله، والله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصا من الحظوظ والشوائب.
قال العلامة رشيد رضا: وقد فرق بعض الفقهاء بين قراءة القرآن وتعليمه، فأجاز أخذ الأجرة على تعليمه كتعليم العلم؛ لأن الاشتغال بالتعليم يصد عن التفرغ للكسب من الوجوه الأخرى، فإذا لم نجز المعلم يتعسر علينا أن نجد من يتصدى لتعليم الأولاد، وليس زمننا كزمان السلف يتفرغ فيه الناس لنشر العلم وإفادته تعبدا لله وتقربا إليه.
قال الأستاذ الإمام: من علم العلم والدين بالأجرة فهو كسائر الصناع والأجراء لا ثواب له على أصل العمل، بل على إتقانه والإخلاص فيه والنصح لمن يعلمهم.
(1) - التولات: جمع تولة كعنبة ما تحمله المرأة ليحبها زوجها، والسحر، والتناجيس: ما يحمل لنحو ذلك أو للعين من الخرز والعظام التي يعلقنها على الأطفال، أو للحفظ من الجن والشياطين.