ابْنُ كَثِيرٍ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَتْ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَفِي رِجْلِهَا خَلْخَالٌ صَامِتٌ لاَ يُعْلَمُ صَوْتُهُ، ضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا الأَْرْضَ فَيَسْمَعُ الرِّجَال طَنِينَهُ، فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُؤْمِنَاتِ عَنْ مِثْل ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ زِينَتِهَا مَسْتُورًا، فَتَحَرَّكَتْ بِحَرَكَةٍ لِتُظْهِرَ مَا هُوَ خَفِيٌّ دَخَل فِي هَذَا النَّهْيِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} .
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا تُنْهَى عَنِ التَّعَطُّرِ وَالتَّطَيُّبِ عِنْدَ خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا فَيَشُمُّ الرِّجَال طِيبَهَا، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُل عَيْنٍ زَانِيَةٌ، وَالْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا (1) يَعْنِي زَانِيَةً.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُنَّ يُنْهَيْنَ عَنِ الْمَشْيِ فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ؛ لِمَا رَوَى حَمْزَةُ بْنُ أَبِي أُسَيْدٍ الأَْنْصَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقَدِ اخْتَلَطَ النِّسَاءُ مَعَ الرِّجَال فِي الطَّرِيقِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ: اسْتَأْخِرْنَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ. (2)
وَلاَ تَجُوزُ خَلْوَةُ الْمَرْأَةِ بِالأَْجْنَبِيِّ وَلَوْ فِي عَمَلٍ، وَالْمُرَادُ بِالْخَلْوَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُل فِي مَكَان يَأْمَنَانِ فِيهِ مِنْ دُخُول ثَالِثٍ. (ر: خَلْوَةٌ) .
قَال أَبُو حَنِيفَةَ: أَكْرَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُل امْرَأَةً حُرَّةً يَسْتَخْدِمُهَا وَيَخْلُو بِهَا؛ لأَِنَّ الْخَلْوَةَ بِالْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ مَعْصِيَةٌ. (3) وَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(1) حديث:"كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت. . . ."أخرجه أحمد (4 / 418 - ط الميمنية) والترمذي (5 / 106 - ط الحلبي) وقال: حسن صحيح.
(2) مختصر تفسير ابن كثير 2 / 602. وحديث:"استأخرن فإنه ليس لكن. . . ."أخرجه أبو داود (5 / 422 ط عزت عبيد دعاس) وفي إسناده جهالة (ميزان الاعتدال للذهبي 2 / 265 ط الحلبي) .
(3) بدائع الصنائع 4 / 189، والفواكه الدواني 2 / 438، ومنتهى الإرادات 3 / 7، والمغني 6 / 53، والأحكام السلطانية للماوردي 248، 257، والتبصرة بهامش فتح العلي 1 / 296.