المطلب التاسع
الأمر بالشيء هل نهي عن ضده
الأمر بالشيء [1] إن كان له ضد واحد فهو نهي عن ضده، كالأمر بالإيمان نهي عن الكفر، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.
وأما إن كان له أضداد كالأمر بالقيام فإن له أضداد من الجلوس والركوع والسجود ونحوها فهذا اختلف فيه العلماء على عدة أقوال: [2] [3]
القول الأول: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق المعنى دون اللفظ [4] ، وبه قال أصحاب الإمام أبي حنيفة [5] ، واختاره المالكية [6] والشافعي وبعض أصحابه [7] ، وإليه ذهب الحنابلة [8] وابن حزم الظاهري. [9] واستدلوا على قولهم بأنه لا يمكن للمكلف امتثال المأمور به إلا يترك ضده إن كان له ضد واحد، أو بترك أضداده إن كان له أضداد، وما لا يمكن فعل الواجب إلا به يكون واجبًا فعله، وما لا يمكن فعل الواجب إلا بتركه فإنه يجب تركه، وما كان واجب تركه فإنه منهي عنه، مثال ذلك إذا أوجب الشارع فعل الصلاة على المكلف وجب عليه ترك كل ما يتعارض مع إقامة الصلاة من الأقوال والأفعال. ومثاله لو قال السيد
(1) أي الأمر بشيء معين احترازًا من الواجب الموسع والمخير فإن الأمر بهما ليس منهيًا عن الضد:، تشنيف السامع: 1/ 314.
(2) ينظر: شرح التلويح: 1/ 421؛ البحر المحيط: 2/ 416.
(3) ما نبحثه في هذه المسألة هو كون الأمر بالشيء نهي عن ضده إن كان له أضداد، وقد يكون النهي للتحريم إن كان الأمر للوجوب، وقد يكون النهي على سبيل الكراهة إن كان الأمر للاستحباب: ينظر: شرح التلويح: 1/ 422؛ شرح اللمع: 1/ 261.
(4) أي أنه يكون نهي عن الضد ومعانيه لا على واحد بلفظه.
(5) قال الدبوسي، وهو المختار عندنا، تقويم الأدلة: ص480، وقال أبو منصور المانريدي: إنه نهي عن ضده بدلالة الإلزام، فواتح الرحموت: 10/ 97؛ وينظر: أصول الجصاص: 2/ 159؛ ميزان الأصول: 1/ 258.
(6) نسبه صاحب المسودة إلى الإمام مالك: ص490؛ ينظر شرح تنقيح الفصول: ص62؛ إحكام الفصول: ص124، وهو قول الباقلاني، نقله الآمدي، منتهى السول: 2/ 12.
(7) نقله عن الشافعي آل تيمية في المسودة: ص49، ومن أصحابه ابن السمعاني قال: وهذا مذهب عامة الفقهاء؛ قواطع الأدلة: 1/ 123، وأبو إسحق الشيرازي، ينظر اللمع: ص10.
(8) ينظر العدة: 1/ 243؛ شرح الكوكب: 3/ 51؛ مذكرة أصول الفقه: ص57؛ الواضح: 3/ 150.
(9) يتظر: الأحكام لابن حزم: مج1/ 326.