المطلب الثالث
إسلام راوي الحديث بعد موت الأخر
إذا أسلم أحد الرواة بعد موت الآخر فقد اختلف في كون رواية المتأخر ناسخة للمتقدم على عدة أقوال:
القول الأول: لا تدل رواية المتأخر على نسخ رواية المتقدم عليه، وبه قال الغزالي والآمدي [1] وبعض الحنابلة وأهل الحديث. [2]
قالوا: لأن تأخر راوي أحد الدليلين لا يدل على أن ما رواه ناسخ، ولجواز أن من تأخر إسلامه تحمل الحديث قبل إسلامه، ولجواز أن تكون رواية متقدم الصحة متأخرة. [3]
القول الثاني: إسلام أحد الرواة بعد موت الآخر، وبعد قصة إسلامه يدل على أن رواية المتأخر ناسخة لرواية المتقدم.
ولقد اختلفوا في تفصيل هذا القول كما يأتي:
أ-قال أبو يعلى الحنبلي: أن ينقل الراوي خبرًا ثم ينقل غيره ضده، فيعلم أن الأول مات قبل إسلام الراوي الثاني فإن نقل الثاني يعلم أنه متأخر عن الأول. [4]
ووافقه على ذلك غيره من الحنابلة بأن يكون راوي أحد الخبرين أسلم في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - والآخر لم يصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا في أول الإسلام. [5]
واستدلوا على ذلك: بما رواه طلق بن علي [6] , عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حكم مس الذكر أن لا وضوء لمن مسه، [7] وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن
(1) ينظر: المستصفى: 1/ 129؛ الإحكام للآمدي: 3/ 163؛ وينظر اللمع: ص34.
(2) شرح الكوكب المنير: 3/ 569؛ نزهة النظر: ص48.
(3) المصدر نفسه؛ المستصفى: 1/ 129.
(4) العدة: 2/ 51.
(5) مذكرة أصول الفقه: ص164.
(6) طلق بن علي بن المنذر بن قيس الحنفي الشجمي أبو علي اليمامي - رضي الله عنه - أحد الوافدين الذين قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمل معه في بناء المسجد؛ الاستيعاب: 2/ 240؛ الإصابة: 2/ 232 - 233.
(7) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، كتاب الرخصة في ذلك، رقم (182) والترمذي، كتب أبواب الطهارة، رقم (85) ، والنسائي: 1/ 101.