المطلب الخامس
الأمر بالصفة هل يدل على الأمر بالموصوف
إذا ورد أمر شرعي بهيئة أو صفة في عبادة من العبادات فهل يدل هذا الأمر على وجوب العبادة أو على أنها مندوبة، كالأمر بالطمأنينة في الركوع والسجود، فهل يدل هذا على وجوب الركوع والسجود، أو كالأمر برفع الصوت بالتلبية هل يدل على وجوب التلبية.
ولقد اختلف العلماء في كون الأمر بالصفة يدل على الأمر بالموصوف على عدة أقوال:
القول الأول-التفصيل: إذا كان الأمر بصفة على سبيل الوجوب دل على وجوب الموصوف، وإذا كان الأمر على سبيل الندب كان الموصوف مندوبًا، ونسب هذا القول إلى بعض الحنفية. [1] وبه قال أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية. [2] ومثلوا لذلك بالأمر بالطمأنينة في الركوع والسجود فإن الأمر بهذه الصفة للوجوب دل على وجوب الموصوف، وصار هذا بمنزلة الطهارة وستر العورة مع الصلاة، فلا يمكن إقامة الصلاة إلا بالطهارة وستر العورة، فالأمر بالصلاة أمرٌ بهما -أي بالطهارة وستر العورة-. [3]
القول الثاني: إذا ورد الأمر بهيئة أو صفة على سبيل الندب والاستحباب جاز التمسك به على وجوب أصل الفعل لتضمنه الأمر، وبه قال الحنابلة وبعض أصحاب أبي حنيفة، ومثلوا لذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا ) ) [4] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في المشي بين الصفا والمروة: (( اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي ) ) [5] .
(1) ينظر البحر المحيط: 2/ 415؛ الواضح: 3/ 212؛ العدة: 1/ 273.
(2) ينظر: اللمع: ص10؛ شرح اللمع: 1/ 260.
(3) الواضح: 3/ 212؛ العدة: 1/ 273.
(4) رواه الشافعي في مسنده: 1/ 30، 31، محمد بن إدريس الشافعي، توفي سنة (204هـ) ، ط1، دار المعرفة، بيروت، 1406هـ؛ أحمد: 1/ 228، رقم (2011) ، مسند الإمام أحمد بن حنبل، توفي (241هـ) ، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، ط1، 1393م.؛ أبو داود: 142، 143، وقال الحافظ: وصححه الترمذي والبغوي وابن قطان، تلخيص الحبير: 1/ 81.
(5) رواه أحمد: 6/ 421 رقم (2011) ؛ البيهقي: 5/ 198، السنن الكبرى، للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، المتوفى سنة (458هـ) ، دار المعرفة، بيروت-لبنان.