المطلب الخامس
إذا استدل أهل العصر في مسألة بدليل أو تأولوا تأويلًا
فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر؟
إذا أجمع العلماء في عصر من العصور على حكم مسألة واستدلوا بدليل عليها أو تأويل لفظ وجاء من بعدهم فأحدث دليل أو تأويل أخر، فإذا أجمع العلماء في ذلك العصر على إبطاله فلا يجوز إحداثه لما في ذلك من تخطئة الأمة فيما أجمعوا عليه.
وإذا اجمع العلماء على صحته جاز إحداثه إذ لا تخطئة فيه. [1]
وأما إذا سكت أهل ذلك العصر عن ذلك الدليل أو التأويل بأن لم يبطلوه ولم يجيزوه ولم يمنعوا من غيره فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجوز لمن بعدهم أن يستدلوا بدليل أخر من غير إلغاء الأول ولا إبطاله وبه قال جمهور الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة واختاره الشوكاني من الزيدية وعليه المعتزلة. [2]
واستدلوا على قولهم بأن الناس في كل عصر يستخرجون عللًا وأدلة، ولا ينكر عليهم فكان إجماعًا، ولأن المنع من ذلك إذا كان سببه مخالفة الإجماع المتقدم فمعلوم أن الأمة لم تجمع على فساد الدليل الثاني لا نصًا ولا معنى لأن حكمها بصحة دليلها لا يقتضي فساد غيره إذ لا يمتنع أن يكون على الحكم الواحد أكثر من دليل. [3]
(1) ينظر: الإحكام للآمدي: 1/ 231؛ البحر المحيط: 4/ 538؛ المحصول: 2/ 76.
(2) ينظر: تيسير التحرير: 3/ 253؛ فواتح الرحموت: 2/ 237، التقرير والتحبير: 3/ 79؛ شرح العضد: ص123؛ مختصر المنتهي ومعه بيان المختصر: 1/ 334؛ الإحكام للآمدي: 1/ 231؛ البحر المحيط: 4/ 538؛ بناني: 2/ 198؛ التمهيد لأبي الخطاب: 3/ 387؛ شرح الكوكب المنير: 2/ 269؛ المدخل: ص143؛ المسودة: ص328؛ إرشاد الفحول: 1/ 410؛ المعتمد: 2/ 514.
(3) التمهيد لأبي الخطاب: 3/ 318؛ وينظر: بيان المختصر: 1/ 334؛ الإحكام للآمدي: 1/ 231.