يبدو لي أن الراي الراجح هو ما ذهب إليه سليم الرازي ومن وافقه لأن النهي عن الشيء لا يمكن تحقيقه إلا بأن بفعل أحد أضداده، فإذا فعل واحد من الأضداد فقد امتثل للنهي الموجه إليه كما في قول أحدهم لآخر لا تمشِ فإنه أمرٌ بالوقوف أو الجلوس وغير هذا وأيها فعل فقد حصل به الامتثال.
ثمرة الخلاف:
من فوائد الخلاف في الفروع الفقهية لبس الإزار والرداء للمحرم، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا يلبس المحرم القباء [1] ولا القميص ولا السراويل ... ) ) [2] فمن قال: إن النهي عن الشيء أمرٌ بضده قال بنية لبس الإزار والرداء للمحرم، ومن قال غير ذلك لم يقل بلبسه بناءً على أن النهي عند الشيء أمر بضده وإنما بناء على دليل آخر. [3]
المطلب الثاني
النهي عن الشيء هل يقتضي التكرار [4]
النهي إما أن يكون مقيدًا أو مطلقًا، فأما النهي المقيد بصفة أو شرط فأقوال العلماء فيه كأقوالهم في الأمر المعلق بشرط أو صفة. [5] أما النهي عن المطلق واقتضاؤه للدوام والتكرار فقد قطع جماعة من الأصوليين بأنه يقتضي التكرار والدوام، وأما الذين قالوا بأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار فقد قالوا في النهي المطلق.
وعلى هذا فقد اختلف فيه العلماء على قولين رئيسيين:
(1) القباء: هو ثوب يلبس فوق الثياب ويتمنطق عليه، ينظر: قلعة جي، معجم لغة الفقهاء: 355.
(2) رواه البخاري، كتاب اللباس، باب في الصائم، رقم (5806) ومسلم في كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، رقم (1117) ؛ المعجم الكبير: 12/ 275، لسليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، (ت 360هـ) ، ط2، دار النشر: مكتبة العلوم والحكم، الموصل، 1983م.
(3) ينظر: الوصول إلى قواعد الأصول: ص248.
(4) التكرار هنا: المداومة على ترك المنهي عنه.
(5) ينظر: البحر المحيط: 2/ 432.