المبحث الثالث
نسخ القياس والنسخ به
اختلف العلماء في كون القياس منسوخًا، أو كونه ناسخًا، ولكي يسهل البحث في هذه المسألة سنتناولها بفرعين:
الفرع الأول: كون القياس منسوخًا
اختلف العلماء في نسخ حكم القياس على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجوز نسخ حكم القياس مطلقًا، وإليه ذهب قسم من الحنفية [1] ، وابن الحاجب المالكي، وكثير من الحنابلة [2] ، وبعض المعتزلة [3] .
واستدلوا على قولهم بما يأتي:
أولًا: إن النسخ هو انتهاء الحكم الشرعي، والدليل المعارض إما أن يكون فوقه، فعندئذ يتبين أن ذلك القياس لا يصح، وأما أن يكون مثله فهنا لا يبطل حكم الأول، ويعمل المجتهد بالثاني إذا ترجح عنده، ولا عبرة للمرجوح بمقابلة الراجح. [4]
ثانيًا: إن القياس إذا كان مستنبطًا من أصل شرعي، فإنه باقٍ ببقاء أصله، ولا بتصور نسخ حكمه مع بقاء أصله. [5]
ثالثًا: إن ما ثبت بالنص لا يرفع بالقياس، لأن النص إذا عارض القياس أسقطه والصحابة - رضي الله عنهم - كانت تترك آراءها بالنصوص، فإن قيل ألا بجوز تخصيص النص بالقياس؟ فلِمَ لا يجوز نسخه؟ قيل: التخصيص يبين المراد باللفظ فجاز بالقياس، والنسخ رفع حكم اللفظ رأسًا، ولأن الصحابة - رضي الله عنهم - خصصت ولم تنسخ. [6]
(1) ينظر: التنقيح في أصول الفقه: 2/ 73؛ شرح التلويح: 2/ 72؛ ميزان الأصول: 2/ 1006؛ شرح مجموع الحقائق: ص188.
(2) مثل أبو يعلي في العدة: 2/ 48؛ وأبو الخطاب في التمهيد: 2/ 391، ونسبه ابن تيمية لأكثر العلماء، المسودة: ص225؛ بيان المختصر: 2/ 673.
(3) المعتمد: 1/ 435؛ شرح الكوكب المنير: 3/ 571؛ البحر المحيط: 4/ 134.
(4) ميزان الأصول: 2/ 1006.
(5) شرح أصول البزدوي: 3/ 895؛ العدة: 2/ 73 - 74؛ شرح الكوكب المنير: 3/ 571.
(6) التمهيد لأبي الخطاب: 20/ 391.