فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 342

القول الثاني: قال بعض الأصوليين: يجوز نسخ القياس مطلقًا، قالوا: فإنا وإن قلنا: إن كل مجتهد مصيب فلا خلاف أنه مكلف بما غلب على ظنه، كالقبلة إذا لم يعينِّها، فإنه تكليف بما أدى إليه اجتهاده. [1]

القول الثالث: التفصيل: فنسخ القياس إما أن يكون في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيجوز أو بعد وفاته فلا يجوز. وبه قال: أكثر الشافعية [2] ، وبعض الحنابلة، وأبو الحسن البصري من المعتزلة [3] .

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

إن كان النسخ حال حياته - صلى الله عليه وسلم - فلا يمتنع رفعه بالنصِّ، أو بالإجماع أو بالقياس. أما بالنص فبأن ينص الرسول - عليه السلام - في الفرع على خلاف الحكم الذي يقتضيه القياس، يعد استقرار التعبد بالقياس، أو أن يرد نص في زمنه - صلى الله عليه وسلم - بتحريم الربا في الذرة فيقاس عليها في ذلك الأرز ثم يأتي نص بجواز الربا في الأرز. [4]

وأما الإجماع فلأنه إذا اختلفت الأمة على قولين قياسًا: ثم أجمعوا على أحد القولين كان إجماعهم على أحد القولين رافعًا لحكم القياس الذي اقتضاه القول الأخر.

وأما القياس فمثلًا: أن يرد بعد النص بتحريم الربا في الذرة المذكورة وقياس الأرز عليها في ذلك نص آخر بجواز الربا في البر فيقاس عليه حينئذ الأرز فيكون الحكم الثابت للأرز بقياسه على البر ناسخًا للحكم الثابت له بقياسه على الذرة. [5]

قالوا: أما بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز نسخه، لأنه يستحيل بعد الوفاة ورود شرع. [6]

(1) البحر المحيط: 4/ 136، قال الأرنوي: القياس ينسخ ويُنسخ به، أما الأول ففي عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يجوز نسخه بالنص والإجماع وفيه إشكال، وبقياس آخر تكون أمارة العلة فيه أجلى، وأما بعده فيجوز متى جلنا كل مجتهد مصيبًا وإلا فلا؛ الحاصل: 4/ 464.

(2) ينظر: المحصول: 1/ 561 - 562؛ جمع الجوامع: 2/ 123، وقد ذهب الآمدي وابن قدامة الحنبلي إلى تفصيل لا يخرج معناه عن أصحاب هذا الرأي. فجعلوا ما ثبت بالقياس إن كان منصوصًا على علته: فهو كالنص: بنسخ، وبنسخ به وما لم يكن منصوصًا على علته: فلا ينسخ به على اختلاف مراتبه، الإحكام للآمدي: 3/ 164؛ روضة الناظر: 1/ 332.

(3) ينظر: روضة الناظر: 1/ 332؛ شرح الكوكب المنير: 3/ 751؛ الفقيه والمتفقه: 1/ 122؛ المعتمد: 1/ 434.

(4) المحصول: 1/ 562؛ النباتي على جمع الجوامع: 2/ 123.

(5) البناني على جمع الجوامع: 2/ 123.

(6) البحر المحيط: 4/ 136، وقد ذهب الرازي إلى أنه يسمى قياسًا في المعنى لا باللفظ، المحصول: 1/ 562، وزاد الأرموي بأنه يجوز نسخه بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - متى جعلنا كل مجتهد مصيبًا وإلا فلا، الحاصل: 2/ 464.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت