وأما الأمر الآخر: فهو أن المجتهد إذا عرض له في مسألة واحدة دليلان ظاهرهما التعارض فعليه أن يرجع إلى سبب النزول ليعلم المتأخر منهما فإذا أعلمه فيجب العمل به ويكون الأول بحكم المنسوخ. [1]
وأما آراء الإمام سليم في مسائل التعارض، فنتناولها في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول
التعارض بين النصوص
وهو ما يعبر عنه العلماء بقولهم: (تكافؤ الأدلة) والمراد بالأدلة، هنا هو الظني منها: أما الأدلة القطعية، كآيتين أو آية وسنة متواترة؛ فلا تعارض بينهما كما مر سابقًا. فإذا تعارض عند المجتهد دليلان ظنيان ولم يترجح أحدهما، فقد اختلف الأصوليون فيما يجب عليه عمله على قولين:
القول الأول: عدم جواز تعادل الأمارات [2] الظنية في المسألة الواحدة عند المجتهد، وبه قال: بعض الحنفية [3] وكثير من الشافعية [4] ، واختاره الإمام أحمد وأصحابه. [5]
واستدلوا على ذلك: بأنه لو جاز التعارض بين الإمارتين أو تكافؤهما لأدى ذلك إلى الشك في الحكم الشرعي، وبيانه: لو أن المخبرين المتساوين في الصدق أخبرنا أحدهما بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من البيت في وقت عينه المخبر، وقال لم أره يصلي فيه وأخبرنا الآخر: إنه رآه يصلي فيه، فإن هذا يجعلنا نشك فيه: هل صلى - صلى الله عليه وسلم - أو
(1) ينظر: المصادر السابقة.
(2) الأمارة: الدليل المظنون كخبر الواحد والقياس، وليس بدليل مقطوع به؛ العدة: 1/ 56.
(3) مثل: الكرخي وابن عبد الشكور الحنفي، فواتح الرحموت: 2/ 189؛ الإحكام للآمدي: 4/ 424.
(4) البحر المحيط: 6/ 113، ونقله عن أكثرهم أبو الخطاب في التمهيد: 4/ 349؛ الإحكام للآمدي: 4/ 424؛ البرهان: 2/ 768.
(5) ينظر: المسودة: ص397؛ شرح الكوكب المنير: 4/ 608.